جديد الموقع
اهمية تطبيق السنة النبوية للوصول => دروس التصوف والسلوك ۞ أسألة واجوبة حول التصوف والطريقة => دروس التصوف والسلوك ۞ حكم تصدر المرأة المشيخة والإرشاد => دروس التصوف والسلوك ۞ الختم الشريف القادري => رسائل النور العلية ۞ حقيقة السلوك الروحي عند الصوفية => دروس في التربية والسلوك ۞ خصائص وأسرار خلوة الاستغفار => دروس التصوف والسلوك ۞ التصوف بين الأعداء والأدعياء => دروس التصوف والسلوك ۞ أهمية الشيخ المرشد في السلوك => دروس التصوف والسلوك ۞ خصائص وأسرار خلوة البسملة => دروس التصوف والسلوك ۞ حقيقة الفتح الرباني => دروس التصوف والسلوك ۞ تعريف الطريقة وتاريخ نشاتها ومفهومها => دروس التصوف والسلوك ۞ فضل يوم عرفة وبيان أعماله => دروس التصوف والسلوك ۞ خلوة الجلالة وأسرارها وخصائصها => دروس التصوف والسلوك ۞ شرح قاعدة من قال لشيخه لما لا يفلح => دروس التصوف والسلوك ۞ كلمة بمناسبة ذكرى المولد => دروس ومحاضرات منوعة ۞ مجلس ذكر قادري => دروس ومحاضرات منوعة ۞ آداب الذكر وخصائصه وأسراره => دروس التصوف والسلوك ۞ البدعة وشرح وتصحيح مفهومها => دروس التصوف والسلوك ۞ صفات وشروط المعالج الروحاني => دروس التصوف والسلوك ۞ دلائل الخيرات بسند ورواية القادرية => رسائل النور العلية ۞

المادة

فضل الخلوة بكلمة التوحيد

الكاتب: الشيخ مخلف العلي القادري

تاريخ النشر: 22-11-2017 القراءة: 1991

فضل كلمة التوحيد وسر اختيارها للخلوة

اعلم أخي السالك: وفقني الله تعالى وإياك أنَّ كلمة التوحيد هي الكلمة الطيبة العظيمة المباركة، وهي أفضل كلمة نُطِقَ بها على الإطلاق ومهما كتبنا في فضائلها فلن نوفيها حقها فهي الكلمة التي وصفها الله سبحانه وتعالى في كتابه بقوله: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) )]إبراهيم:24-25[،

وخاطب الله بها نبيه الكريم فقال له:( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ). ولو أردنا سرد النصوص والآثار الواردة في فضل هذه الكلمة العظيمة لما كفتنا الصفحات ولا وسعتنا الكتب، فهي أفضل الأذكار وأعظمها وقد استفاضت الأخبار والآثار في ذكر فضائلها وهي معروفة ومشهورة لمن أراد معرفتها، ولكن سنذكر طرفاً منها مما يتعلق ويرتبط بموضوع كتابنا للفائدة والموعظة ولكي تعرف أيها السالك عظمة هذه الكلمة الطيبة. واعلم أنَّ الخلوة بكلمة التوحيد الشريفة هي من أعظم الخلوات نفعاً، وأعلاها قدراً، وأرفعها شأناً، فهي خلوة للفضائل جامعة، وللخواطر والوساوس مانعة، ومن دخلها كانت روحه في الخيرات راتعة، وصارت نفسه للدنيا بائعة، واعلم أنَّ مدار طريق القوم قائم على خلوة التوحيد الشريفة، ومن عمل بها نال الخير العظيم والفتح الكبير بإذن الله تعالى، لأنها الأساس لكل الخلوات والرياضات، وهي المفتاح لكل الفتوحات والتجليات، وسبب دخول الحضرات، وبرنامج سلوكها هو البرنامج العام لجميع الخلوات، وقد اختارها أهل الله العارفون لما فيها من الأسرار والبركات، وتغني عن سواها ولا يغني شيءٌ عنها، وسأذكر هنا بعضاً من فضائلها التي تدل على أهميتها للسالك وتحفزه على التمسك بها والإقبال عليها فنقول وبالله التوفيق:

اعلم أخي السالك: أنَّ أول سبب لاختيار خلوة التوحيد لتكون خلوة السلوك الأساسية وعليها مدار الطريق هو كونها أصل الطريق وبها يدخل إليه، بل هي أصل التلقين في طريق القوم وتعتبر الأساس الذي يقوم عليه طريق الصوفية استناداً إلى حديث الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في التلقين الذي ذكره الشيخ جمال الدين أبو المـحاسن يوسف بن عبد الله بن عمر العجمي الكوراني في رسالته ريحان القلوب في التوصل إلى المـحبوب كما قال البُدَيْري في الجواهر الغوالي، وهذا هو الحديث الشريف: عن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قلت: (( يا رسول الله دُلَّني على أَقْربِ الطُرقِ الموصلةِ إلى الله عزَّ وجَلَّ، وأسهلها على العبادِ، وأفضلها عند الله تعالى، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: يا علي عليك بمداومة ذكر الله تعالى في الخلوات، فقال علي: هكذا فضيلة الذكر وكل الناس ذاكرون وإنما أريد أن تخصَّني بشـيء، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم مَهْ يا علي: أفضلُ ما قلتهُ أنا والنَّبِيُّونَ من قبلي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ولو أنَّ السَّماواتِ السَّبعَ والأرضينَ السَّبعَ وضِعنَ في كفةٍ ولَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ في كفةٍ لرجحت لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثمّ قال يا علي: لا تقوم الساعة وعلى وجه الأرض من يقول اللَّهَ، اللَّهَ، فقال عليٌّ: كيف أذكر يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أغمض عينيك واسمع مِنِّي لا إله إلاَّ اللَّهُ ثلاث مرات ثمَّ قل أنت ثلاث مرات وأنا أسمع، فقال النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: لا إله إلا الله، ثلاث مرات مغمضاً عينيه رافعاً صوته وعلي يسمع، ثم قال عليٌ لا إله إلا الله ثلاث مرات مغمضاً عينيه رافعاً صوته والنبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يسمع)). وهذا الحديث يعتبر من الأصول التي يقوم عليها طريق التصوف، وهو حديث مشتهر ومجمع عليه عند الصوفية، بل هو الأساس الذي تقوم عليه الأسانيد الصوفية كلها، وهذا التلقين هو اعتماد القوم في دخول الطريق حيث لَقَّنَ الإمام علي عليه السلام سبطي النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم سيدي شباب الجنة الحسن والحسين عليهما السلام، وكذلك لَقَّنَ الحسن البصـري رضيَ الله عنه وغيرهم، فانتـشرت الطرق الصوفية وامتدت الأسانيد إلى يومنا هذا([1]). وهو ثابتٌ عند القوم، وممن صححه الإمام السيوطي والإمام ابن حجر وأثبتا سماع الحسن البصري من الإمام علي عليه السلام كما هو مشهور عند أهل العلم وقد فصل العلامة أحمد بن صديق الغماري في كتابه البرهان الجلي في تحقيق انتساب الصوفية إلى علي هذا الأمر، وعلى هذا فنحن نعتمد هذا الحديث ونعمل بمقتضاه فهو من أصول طريق القوم، وعليه يقوم التلقين الفردي للسالكين، ومن هذا الحديث يتبين لنا مدى أهمية كلمة التوحيد وخلوتها.

فائدة الحديث: وهذا الحديث الشريف نستخرج منه خمس فوائد جليلة وهي: الأولى: إثبات أهمية الذكر وأنه أسهل الطرق وأقربها وأفضلها للوصول إلى الله عز وجل. الثانية: بيان أهمية ذكر الله تعالى في الخلوات والمداومة عليه وأنه من الأسباب الموصلة لله عز وجل وأفضل الذكر هو لا إله إلا الله. الثالثة: إنَّ ما جاء تخصيصه من الله ورسوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم هو أفضل مما خصصه العلماء والعارفون ويعلو عليه عملاً بالقاعدة التي تقول: إذا جاء الخبر انقطع النظر. الرابعة: بيان فضل ذكر لا إله إلا الله على سائر الأذكار ومدى عظمتها عند الله عز وجل. الخامسة: جواز تغميض العينين وفضله في الذكر. وهذه الفوائد الخمس كلها هي غاية ما يحتاجه السالك في الخلوة التي غايتها الوصول إلى الله تعالى، وكلها متحققة في ذكر كلمة التوحيد، ومن هنا يتبين لنا اختيار القوم لخلوة التوحيد من بين سائر الخلوات، وفضلوها على غيرها لما فيها من الأنوار والأسرار والآثار والتجليات والواردات.

ومن أهم فضائلها وأسباب تخصيصها: ما رواه الإمام أحمد في مسنده والبزار والحاكم في المستدرك عن عبادة بن الصامت رضيَ الله عنه قال: ((كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِكُمْ؟ يَعْنِي: أَهْلَ الْكِتَابِ، قُلْنَا: لا يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَأَمَرَ بِإِغْلاقِ الْبَابِ, ثُمَّ قَالَ: ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ، فَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ, فَرَفَعْنَا أَيْدِيَنَا سَاعَةً, ثُمَّ وَضَعَ نَبِيُّ اللَّهِ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يَدَهُ, ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ, اللَّهُمَّ إِنَّكَ بَعَثْتَنِي بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَأَمَرَتْنِي بِهَا, وَوَعَدْتَنِي عَلَيْهَا الْجَنَّةَ, إِنَّكَ لا تَخْلِفُ الْمِيعَادَ, وَقَالَ: أَبْشـِرُوا إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكُمْ)).

فائدة الحديث: وهذا الحديث الشريف هو الأصل الذي يستند عليه القوم في التلقين الجماعي، والأصل لمجالس الذكر التي تقوم على كلمة التوحيد الشريفة، وهذا من الأسباب التي جعلت القوم يختارونها على غيرها.

ومن أهم فضائلها وأسباب تخصيصها: ما رواه الإمام أحمد في مسنده والبخاري في الأدب المفرد والحاكم في المستدرك والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الله بن عمرو رضي اللَّهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: ((إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ نُوحاً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِابْنِهِ: إِنِّي قَاصٌّ عَلَيْكَ الْوَصِيَّةَ: آمُرُكَ بِاثْنَتَيْنِ وَأَنْهَاكَ عَنْ اثْنَتَيْنِ: آمُرُكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرْضِينَ السَّبْعَ لَوْ وُضِعَتْ فِي كِفَّةٍ وَوُضِعَتْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي كِفَّةٍ رَجَحَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَلَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرْضِينَ السَّبْعَ كُنَّ حَلْقَةً مُبْهَمَةً قَصَمَتْهُنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ....الحديث)).

فائدة الحديث: وهذا الحديث الشريف يُبَيِّنُ لنا عظمة كلمة التوحيد ومقدار فضلها، ويتجلى هذا بوصية نبي الله نوح عليه السلام، وهذا يوافق قول المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه لسيدنا علي عليه السلام في حديث التلقين، وكذلك يوافق قول الحق عز وجل لنبيه موسى عليه السلام في الحديث الذي رواه ابن حبان والحاكم عن أبي سعيد رضي اللَّهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: ((قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ، عَلِّمْنِي شَيْئاً أَذْكُرُكَ وَأَدْعُوكَ بِهِ، قَالَ: قُلْ يَا مُوسَى :لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، قَالَ: كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُ هَذَا، قَالَ: قُلْ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، قَالَ: لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ، إِنَّمَا أُرِيدُ شَيْئاً تَخُصُّنِي بِهِ، قَالَ: يَا مُوسَى، لَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي وَالأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي كِفَّةٍ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ فِي كِفَّةٍ مَالَتْ بِهِنَّ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ)).

ومن أهم فضائلها وأسباب تخصيصها: ما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: ((خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي:لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الـمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)).

فائدة الحديث: وفي هذا الحديث الشريف يُبَيِّنُ لنا نبينا أنَّ أفضل الذكر على الإطلاق هو ذكر لا إله إلا الله وأنه ذكر الأنبياء والمرسلين، وهذا الفضل وحده يكفي لنعرف أنَّ خلوة التوحيد لا يعلو عليها شيء حيث أن شرفها متعلق بشرف قوله تعالى: أفضل الذكر لا إله إلا الله، ويشهد لهذا الحديث ما رواه الترمذي وابن حبان وابن ماجه عن جابر بن عبد الله رضي اللَّهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: ((أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الْحَمْدُ للهِ)).

ومن أهم فضائلها وأسباب تخصيصها: ما رواه الشيخان عن أبِي هريرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: ((الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ)).

وكذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك عن أبِي هريرَةَ رضي اللَّهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: ((جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا ؟ قَالَ: أَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ)).

فائدة الحديثين: فأما الحديث الأول: فيُبَيِّنُ وبكل وضوحٍ سبباً هاماً من أسباب تفضيل واختيار كلمة التوحيد من قبل القوم وهي أنَّها أفضل شعب الإيمان، وزيادة الإيمان عند السالكين تعتبر من أهم وأعلى غايات وأهداف الخلوة الشـريفة، التي من شأنها تحقيق الفتح والقرب من الله عز وجل، وأما الحديث الثاني: فيُبَيِّنُ لنا أنَّ كلمة التوحيد هي الوسيلة الأساسية لتجديد الإيمان في حالة الفتور والبعد عن الله، وهذه الثمرة تعتبر هي الغاية الأساسية من دخول الخلوة وممارستها والتي هي محور السلوك إلى الله.

ومن أهم فضائلها وأسباب تخصيصها: ما رواه الترمذي والنسائي في سننه الكبرى عن أبِي هريرَةَ رضي اللَّهُ عنه قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: ((مَا قَالَ عَبْدٌ: لَا إِلَـهَ إِلَّا اللَّهُ قَطُّ مُخْلِصاً، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ حَتَّى تُفْضِيَ إِلَى الْعَرْشِ، مَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ)).

فائدة الحديث: وهذا الحديث الشريف يُبَيِّنُ لنا سبباً عظيماً من أسباب اختيار وتفضيل خلوة التوحيد وهو أنها مفتاح للسماوات التي منها تهبط الواردات والتجليات الإلهية المتصلة بعرش الرحمن، فالذاكر حينما تفتح له أبواب السماء سيتصل بالعالم الأعلى وهذا أدعى وأقرب للفتح.

ومن أهم فضائلها وأسباب تخصيصها: ما رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّم: ((التَّسْبِيحُ نِصْفُ المِيزَانِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَؤُهُ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَيْسَ لَهَا دُونَ اللَّهِ حِجَابٌ حَتَّى تَخْلُصَ إِلَيْهِ)).

فائدة الحديث: وهذا الحديث الشـريف يُبَيِّنُ لنا أنَّ روحانية ونورانية هذه الكلمة الطيبة الشريفة متصلة بالله عز وجل، وليس بينها وبينه حجاب فمن ذكر بها كان متصلاً بالحق عز وجل مادام مشتغلاً بها، وهذا ما يبتغى من الخلوة، لذلك تم اختيارها وتفضيلها.

ومن أهم فضائلها وأسباب تخصيصها: ما رواه أبو يعلى في مسنده وابن حجر في الأمالي عن أنس رضي اللَّهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّم: ((مَا قَالَ عَبْدٌ: لا إِلَهَ إِلا اللهُ فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إِلا طَمَسَتْ مَا فِي الصَّحِيفَةِ مِنَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى تَسْكُنَ إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الْحَسَنَاتِ))

فائدة الحديث: وهذا الحديث الشريف نأخذ منه فائدة عظيمة وهي أنَّ كلمة التوحيد الشريفة هي سبيلٌ عظيمٌ لمحو السيئات والذنوب التي هي إحدى معوقات وموانع الفتوحات والواردات الربانية وبالتالي فهي سببٌ عظيمٌ من أسباب الصفاء والتطهير للسالك وهذا يبرز أهميتها على غيرها.

ومن أهم فضائلها وأسباب تخصيصها ما رواه ابن ماجه في سننه عن أم هانئ رضي اللَّهُ عنها قالت: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّم: (( لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ لَا يَسْبِقُهَا عَمَلٌ وَلَا تَتْرُكُ ذَنْباً)).

فائدة الحديث: وهذا الحديث الشريف يشهد لما قبله ونأخذ منه أنَّ كلمة التوحيد لا يسبقها عملٌ أبداً وهذا يعتبر من أهم الأسباب التي اختصت بها كلمة التوحيد، فهي تسبق جميع الأذكار ولا يسبقها ذكرٌ أبداً نسأل الله تعالى أن يحققنا بها. ويشهد لهذا الحديث ما رواه ابن عساكر في تاريخه وأبو نعيم في حليته عن أبِي هريرَةَ رضي اللَّهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّم: ((إِنَّ للَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَمُوداً مِنْ نُورٍ، بَيْنَ يَدَيِ الْعَرْشِ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، اهْتَزَّ ذَلِكَ الْعَمُودُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: اسْكُنْ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أَسْكُنُ وَلَمْ تَغْفِرْ لِقَائِلِهَا، فَيَقُولُ: إِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ. فَيَسْكُنُ عِنْدَ ذَلِكَ)).

وكذلك ما رواه الديلمي في مسند الفردوس عن أنس رضي اللَّهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّم: ((إذَا قَالَ الْعَبْدُ الْـمُسْلِمُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ خَرَقَتِ السَّمَوَاتِ حَتَّى تَقِفَ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: اسكني فتقول: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْكُنُ وَلَمْ تَغْفِرْ لِقَائِلي فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَا أَجْرَيتُهَا على لِسَانِهِ إِلَا وَقَدْ غَفَرْتُ لَهُ)).

وإليك بعض أقوال الأئمة والعارفين في بيان فضيلة ذكر التوحيد:

قال سيدي عبد القادر الجيلاني رضي اللَّهُ عنه في الطريق إلى الله: اختار القوم لا إله إلا الله من صيغ الذكر, لأنها الكلمة الطيبة التي تُطَيِّبُ ذات من قام بمعناها, ولأنهم رأوا لها تأثيراً في جَلاءِ مرآة قائلها, لم يجدوه لغيرها من ألفاظه، ولأن من واظب عليها لم يجد مشقة أبداً لا في الدنيا ولا يوم القيامة كما دلت عليه الأحاديث بل يقوم من قبره وهو ينفض التراب عن رأسه قائلاً الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن.

وقال في الفتح في المجلس الثامن والثلاثين: يا قوم أَضْنُوا شياطينكم بالإخلاص في قول لا إله إلا الله لا بمجرد اللفظ، التوحيد يحرق شياطين الإنس والجن لأنه نارٌ للشياطين ونورٌ للموحدين.

وقال الغزالي رضي اللَّهُ عنه في الإحياء: من حافظ على قول لا إله إلا الله طاهراً وداوم على ذكرها وجعل لسانه مستغرقاً فيها فتح الله تعالى على قلبه نوراً ينكشف به سرها وتستغرقه أنوارها ويشغف قلبه بذكرها وتصطلمه([2]) ثمراتها فيشرف بباطنه عن عجائب الملكوت ما لا تستطيع العبارة أنْ تحد وصفها ونعتها وتلك نتائجها وثمراتها ثم تنعكس أذكاره الظاهرة باطنة وكل ما دام على الذكر غلب باطنه على ظاهره، فيقوى ذكر الباطن ويفتر الذكر في الظاهر إلى أن يقوى سلطان القلب على حركة اللسان فتبطل حركة اللسان بالذكر وينفرد القلب بالذكر، وكلما قوي باطنه ضعف ظاهره، حتى لا يستطيع الذاكر أن يتلفظ بالذكر ظاهراً إلا في وقت غفلة القلب أو فترة ترد عليه، إذ الذكر ظاهراً وظيفة الغائبين، وذكر القلب وظيفة الحاضرين، فإذا أخذ الذاكر الحاضر في أفعال الغائبين استحق قلبه الأدب، ثم تتجوهر ثمرة قلبه دائماً بإشراق شمس الروح على القلب، فيستغرق القلب في الأنوار الروحانية، ويكاشف من اللطائف الربانية، ويرد على قلبه و باطنه من الواردات القلبية، ويهجم عليه من الأحوال السَّنَيَّةِ ما يستغرقه عن الصفات البشرية، وَيُرَقِّيهِ إلى المقامات والمنازل الملكية، ويعود بالكرامات التبعية للنبوءة المحمدية، ثم تستغرق روحه في بحر التوحيد، ويستخرج بلطيف الفكر في معنى الذكر أسراراً لطيفة ومعاني شريفة، فيبتغي ذكر القلب لها أول درجة رقت بها إلى درجة التقوى، وأول باب فتح له من جنة المأوى، ثم فتح له بذكر القلب بعد إتقان ذكر اللسان بها باب جنة الخلد التي مفتاحها حقيقة لا إله إلا الله التي تفتح للقلب باب التذكير في آيات محكم التنزيل وما نزل به الروح الأمين من الأحكام على خير الأنام سيدنا محمد صلى الله عليه وآلهِ وسلم.

وقال الإمام السهروردي رضي اللَّهُ عنه: إذا استولت الكلمة (لا إله إلا الله) على اللسان يتشربها القلب، فلو سكت اللسان لم يسكت القلب، ثم تتجوهر في القلب وبتجوهرها يستقر نور اليقين حتى إذا ذهبت صورة الكلمة من اللسان والقلب لا يزول نورها، وهذا الذكر هو المشاهدة والمكاشفة والمعاينة، وهذا هو المقصد الأقصى حتى أنَّ الذاكر الصادق يغيب عن المحسوس، بحيث لو دخل عليه داخل من الناس لا يعلم به لغيبته في الذكر من كمال أنسه وحلاوة ذكره حتى لا يلتحق في غيبته في الذكر بالنائم .

وقال الإمام النووي رضي اللَّهُ عنه: اختار أهل التربية والسلوك للمريدين ذكر لا إله إلا الله وأمروهم بالمداومة عليها وقالوا أنفع علاج في دفع الوسوسة هو الإقبال على ذكر الله تعالى والإكثار منه.

وقال الإمام الشعراني رضي اللَّهُ عنه في الأنوار القدسية في بيان آداب الذكر: الأدب العاشر: أن يختار من صيغ الذكر لفظة لا إله إلا الله فإن لها أثراً عظيماً عند القوم لا يوجد في غيرها من سائر الأذكار.

هل عرفت الآن أخي السالك سِرَّ اختيار الخلوة بهذه الكلمة الشريفة، وما هو سبب تفضيلها على سائر الخلوات والرياضات، إن عرفت ذلك فالزم حفظك الله تعالى وفتح الله عليك فتوح العارفين الواصلين الكاملين، والزم كلمة التوحيد في كل أحوالك على الدوام.

قلت: ومن فضل الله تعالى على الفقير أن أكرمني الله تعالى ووفقني لدخول الكثير من الخلوات والتي بلغ عددها سبعاً وعشرين خلوة سبع منها كانت في كلمة التوحيد الشريفة، فلم أجد مثلها ولا أفضل منها، ووجدت فيها من الخيرات والبركات والفيوضات ما لم أجده في غيرها من الأذكار والخلوات، فعليك بها أيها السالك ولا يفوتك فضلها ولا تطمع بغيرها إن أردت الخير والبركة. وقد دخلت هذه الخلوات تحت إشراف ورعاية شيخي ومرشدي الشيخ عبيد الله القادري الحسيني حفظه الله تعالى وقدس الله سره ونفعني ببركته وهو صاحب الفضل عليَّ بعد الله تعالى في سلوك هذا الطريق المباركة، ولقد رأيت من بركات خلوة التوحيد ما أعانني على المضي والثبات في هذا الطريق المباركة، ولا زِلتُ أذكر أول خلوة دخلتها في عام 1992 وكنت في السادسة عشر من عمري، وكانت ثلاثة أيام دخلتها بهذه الكلمة الطيبة وكان بصحبتي أحد الإخوة وهو محمد إبراهيم الجمعة، وكان زادي فيها يومئذ رسالة آداب السلوك للشيخ نور الدين البريفكاني قدس سره، والتزمنا بها أشد الالتزام فكانت نعم الخلوة وطلبنا من الشيخ الاستمرار ولكنه أبى علينا لأننا كنا طلاباً في المدرسة، وفتح الله علينا بخير كثير ظاهراً وباطناً، ثم توالت الخلوات بعد ذلك فأكرمني الله تعالى بدخول سبع وعشرين خلوة سبع منها في التوحيد، كما بينت سابقاً وعشرين منها في خلوات أخرى، فما انتفعت بها كما انتفعت بخلوة التوحيد، ومن خلال تجربتي الخاصة وجدت أن خلوة التوحيد تعتبر الأساس لكل الطريق فمن نجحت معه خلوة التوحيد نجح كل ما بعدها من خلوات، ومن لم يفلح فيها فلا أظنه يفلح في غيرها، وما من وصية سمعتها من شيخي حفظه الله تعالى مثل ما سمعت وصيته لي بكلمة التوحيد المباركة، بل ما من لقاء به أو اتصال به إلا ويختم قوله لي: لا تخرج نفساً منك بدون قول لا إله إلا الله، ولكن أكثر ما يفيد الخلوتي فيها هو حسن اعتقاده بعظمتها وبفضلها وبعلوها على سائر الأذكار، وبأنها سيدة الأذكار ومنبع الأنوار ومجمع الأسرار، فإن اختل عنده اليقين بهذا فقد ضاع منه سر الانتفاع، ولقد رأيت الكثير ممن دخلها ليصل بها لغيرها فما خرج إلا بخفي حنين، وأما من دخلها معتقداً بفضلها وعلو شأنها فذلك من الذين يرتجى أن يفتح الله تعالى عليهم بفتحها ويفيض عليهم من بركتها فالزم هداك الله.

نقلاً عن كتاب

العقد الفريد في بيان خلوة التوحيد

للشيخ مخلف العلي الحذيفي القادري

حقوق النشر والطباعة محفوظة للمؤلف