جديد الموقع
الحزب الأول: يوم الاثنين => دلائل الخيرات وشوارق الأنوار ۞ الحزب الثاني: يوم الثلاثاء => دلائل الخيرات وشوارق الأنوار ۞ الحزب الثالث: يوم الأربعاء => دلائل الخيرات وشوارق الأنوار ۞ الحزب الرابع: يوم الخميس => دلائل الخيرات وشوارق الأنوار ۞ الحزب الخامس: يوم الجمعة => دلائل الخيرات وشوارق الأنوار ۞ الحزب السادس: يوم السبت => دلائل الخيرات وشوارق الأنوار ۞ الحزب السابع: يوم الاحد => دلائل الخيرات وشوارق الأنوار ۞ الحزب الثامن ليلة الاثنين => دلائل الخيرات وشوارق الأنوار ۞ ختم دلائل الخيرات => دلائل الخيرات وشوارق الأنوار ۞ دعاء ختم دلائل الخيرات => دلائل الخيرات وشوارق الأنوار ۞
الترجمة

الشيخ عبد القادر الجيلاني

الكاتب: الشيخ القادري

تاريخ النشر: 11-06-2022 القراءة: 561

اسمه ونسبه الشريف

أما نسبه من جهة أبيه: هو الشيخ الكامل والجهبذ الواصل، خزينة المعارف ومرجع كل قطب وعارف، ذو المقامات العالية والقدم الراسخة والتمكن التام، علم الشرق، سلطان الأولياء والعارفين، أبو صالح السيد محيي الدين عبد القادر ابن السيد أبي صالح موسى جنكي دوست ابن السيد عبد الله ابن السيد يحيى الزاهد ابن السيد محمد بن السيد داود ابن السيد موسى ابن السيد عبد الله أبي المكارم ابن السيد الإمام موسى الجون ابن السيد الإمام عبد الله الكامل المحض ابن السيد الإمام ابن السيد الإمام الحسن السبط عليه السلام ابن أمير المؤمنين سيدنا ومولانا علي بن أبي طالب زوج السيدة البتول فاطمة الزهراء بضعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليهما السلام([1]).

وأما نسبه من جهة أمه: فهي السيدة الشريفة والدرة المنيفة الحسينية أم الخير أمَةُ الجبار فاطمة رضي الله تعالى عنها ابنة السيد عبد الله الصومعي الزاهد ابن السيد أبي جمال الدين محمد ابن السيد محمود ابن السيد أبي العطا عبد الله ابن السيد كمال الدين عيسى ابن السيد الإمام أبي علاء الدين محمد الجواد عليه السلام ابن السيد الإمام علي الرضا عليه السلام ابن السيد الإمام موسى الكاظم عليه السلام ابن السيد الإمام جعفر الصادق عليه السلام ابن السيد الإمام محمد الباقر عليه السلام ابن السيد الإمام علي زين العابدين عليه السلام ابن السيد الإمام الهمام سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين عليه السلام ابن أمير المؤمنين سيدنا ومولانا علي بن أبي طالب زوج السيدة البتول فاطمة الزهراء بضعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليهما السلام.

ولادته ونشأته

ولد رضي الله تعالى عنه في بلاد جيلان فارس([2])، أو كيلان ويقال لها أيضا بلاد الديلم([3])، وكانت ولادته في التاسع من شهر ربيع الثاني من سنة أربعمائة وسبعين هجرية على أصح الأقوال وأرجحها.

نشأ الشيخ وترعرع في جيلان يتيماً، فقد كان آخر أولاد أبيه، فقد توفي أبوه بعد ولادته بقليل، فعاش في كنف جده لأمه السيد عبد الله الصومعي، وكذلك كان آخر أولاد أمه لأنها حملت به في سن متأخرة في سن اليأس، وقيل أنها حملت به وهي في الستين من عمرها، وذلك معروف عن القرشيات أنهن يحملن في هذه السن كما ذكر ذلك التاذفي في قلائد الجواهر، وكان له أخ واحد فقط اسمه عبد الله أصغر منه([4]).

يقول ابن العماد الحنبلي: نشأ الشيخ عبد القادر في ظل رعاية أمه وكانت صالحةً تقيةً سليلةَ أئمةٍ أطهارٍ ورجالٍ أبرارٍ، وكان جده عبد الله الصومعي رجلاً صالحاً زاهداً عابداً حتى لقب الصومعي وكان أبوه صالحاً فنالته بركته وتربى في كنف أمه التقية وجده الصالح فرُبِّيَ على التقوى ونشأ عليها، فكان منذ صغر سنه زاهداً في الدنيا مقبلاً على الآخرة طموحاً إلى معرفة الشريعة وفروعها ومداخلها ومخارجها، فظهرت عليه علامات الولاية منذ الصغر بل في أيام رضاعته، فقد ذكر صاحب قلائد الجواهر وغيره أنه كان لا يرضع في أيام رمضان حتى غروب الشمس فخافت عليه أمه فحملته إلى والدها السيد عبد الله الصومعي فقال لها لا تخافي إن ابنك هذا سيكون له شأن عظيم في الولاية، وعاش طفولته في جيلان ولكنه لم يجد ما يروي طموحه في هذه البلدة ولا ما يروي ظمأه من العلوم والمعارف، فأخذت نفسه تحدثه بالسفر إلى بغداد حاضرة الدنيا في ذلك العصر([5]).

ويقول التاذفي في قلائد الجواهر وغبطة الناظر: قال الشيخ بن قائد الأواني رحمة الله عليه: كنت عند سيدي الشيخ عبد القادر رضي الله عنه فسألته مسائل منها علام بنيت أمرك؟ فقال على الصدق ما كذبت قط، ثم قال كنت في بلدنا فخرجت إلى السواد في يوم عرفة، و تبعت بقر الحراثة فالتفتت إلي بقرة و قالت يا عبد القادر ما لهذا خلقت، فرجعت فزعا إلى دارنا وصعدت إلى سطح الدار فرأيت الناس واقفين بعرفات، فجئت إلى أمي و قلت لها هبيني لله عز وجل لأني أرى المسير إلى بغداد لأشتغل بالعلم وأزور الصالحين فسألتني عن سبب ذلك فأخبرتها خبري، فبكت و قامت إلى ثمانين دينارا أورثها أبي فتركت لأخي أربعين دينارا وخاطت في دلقي أربعين دينارا وأذنت لي في المسير و عاهدتني على الصدق في كل أحوالي و خرجت مودعة لي وقالت يا ولدي اذهب فقد خرجت عنك لله عز وجل فهذا وجه لا أراه إلى يوم القيامة.

قال فسرت مع قافلة صغيرة بطلب بغداد فلما تجاوزنا همدان وكنا بأرض فلاة خرج علينا ستون فارسا فأخذوا القافلة ولم يتعرض لي أحد فاجتاز بي أحدهم وقال يا فقير ما معك؟ فقلت: أربعون دينارا، فقال: وأين هي؟ فقلت: مخاطة في دلقي تحت إبطي، فظن أني أستهزئ به فتركني وانصرف ومر بي آخر فقال مثل ما قال الأول وأجبته كجواب الأول فتركني وتوافيا عند مقدمهم وأخبراه بما سمعاه مني فقال علي به، فأتي بي إليه وإذا هم على تل يقتسمون أموال القافلة فقال لي ما معك؟ فقلت: أربعين دينارا قال أين هي؟ قلت: مخاطة في دلقي تحت إبطي فأمر بدلقي ففتق فوجد فيه أربعين دينارا فقال ما حملك على هذا الإعتراف؟ قلت: إن أمي عاهدتني على الصدق وأنا لا أخون عهدها، فبكى وقال أنت لم تخن عهد أمك وإني إلى يوم كذا وكذا سنة أخون عهد ربي فتاب على يدي، فقال له أصحابه أنت مقدمنا في قطع الطريق وأنت الآن مقدمنا في التوبة فتابوا كلهم على يدي وردوا على القافلة ما أخذوه منهم، فهم أول من تاب على يدي.

فكان صدق الشيخ عبد القادر سببا لتوبة قطاع الطريق عن معصيتهم، وكان هذا أول امتحان للشيخ وقد نجح فيه، وكان امتحاناً لشخصيته وتقواه وتغلبه على هواه، وثبوت إيمانه وكان نجاحه كبيراً وبدت ملامح مستقبله تلوح بالأفق مشرقة.

دخوله إلى بغداد وطلبه للعلم

دخل الشيخ رضي الله تعالى عنه بغداد في السنة التي مات فيها التميمي سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وكان له من العمر ثماني عشرة سنة([6]).

وكانت بغداد في أوج عظمتها واتساعها وغناها، فابتُلِيَ الشيخ في أول حياته وامتحن امتحاناً قاسياً، وتعرض للفتن والفقر والجوع والحرمان، حتى كان يقتات من حواشي الأنهار ويمشي على الشوك حافياً، وينام في البراري والخرب، ولبس المرقع والرخيص من الثياب حتى لقب بالمجنون.

ولطالما حدثته نفسه بترك بغداد والرجوع إلى أهله من غير رجعة إليها، ولكن الله ثبته وتابع طريقه الصعب الذي مُلِئَ بالأهوال والصعاب، فكان يقول لنفسه: لابد من إكمال الطريق وبلوغ الهدف الذي جئت من أجله وبعزيمته وهمته استطاع بلوغ غايته وتحقيق مقصده([7]).

فأخذ علم الظاهر بسائر فنونه على جماعة من الأعيان وبرع في جميع العلوم حتى كان يعد للمناظرة في ثلاثة عشر فناً من العلوم، وتأثر كثيراً بحجة الإسلام الإمام الغزالي رضي الله تعالى عنه وتقفا منهجه وزاد عليه، وسمع الحديث على أيدي كثير من مشاهير عصره من الحفاظ وقرأ الفقه والأدب واللغة وألمَّ بعلوم الشريعة من كل نواحيها، حتى فاق جميع علماء عصره وصارت إليه الفتوى، وخضع له كل علماء عصره واعترفوا بفضله عليهم، وذاع صيته في البلاد، وعلى شأنه على سائر أقرانه.

ثم صحب جماعة من أرباب القلوب، وأكابر أهل الحقيقة فأخذ عنهم علم التصوف والطريقة وكان عمدته في ذلك الشيخ أبا حماد الدباس، حيث لازمه نيفاً وعشرين سنة، وتربى وتأدب على يديه، إلى أن صار من المحبين المحبوبين، وتمكن وتهذب في المعرفة، وصار يتكلم ولا يبالي.

ثم أخذ الطريقة ولبسة الخرقة عن قاضي القضاة أبي سعيد المبارك المخزومي أو المخرمي، فأخذ طريق التصوف بجد وعزم وأقبل على المجاهدات والرياضات والخلوات بدون هوادة، حتى صار من أكبر أرباب الأحوال، وصار من كبار الأولياء والتف حوله المريدون والتلاميذ حتى لقب بسلطان الأولياء والعارفين وخضع له المتصوفة وأرباب السلوك واعترفوا بفضله عليهم وصار مرجعاً لكل المتصوفة في زمانه لأنه غير منهج التصوف تغييراً كبيراً واستطاع أن يخضع التصوف للكتاب والسنة، ورسم منهجاً جديداً للتصوف مبنياً على الكتاب والسنة المطهرة، ومع كل هذا كان زاهداً في الدنيا وشهواتها مقبلاً على الآخرة ونعيمها.

واستمرت فترة التحصيل العلمي للشيخ ثلاثاً وثلاثين سنة، قضاها على قدم وساق يحصل العلم والعمل والتصوف والسلوك، ثم بعد ذلك بدأت مرحلة جديدة من حياته وهي مرحلة تصدره للوعظ والتربية والتدريس، فصارت مدرسته من أشهر وأكبر المدارس في البلاد الإسلامية بدون منافس وهنا بدأت مرحلة جديدة من حياة الشيخ.


شيوخه رضي الله عنه

لقد تميز العصر الذي نشأ فيه الشيخ رضي الله عنه بكثرة العلماء والدعاة والوعاظ وأرباب التصوف والسلوك، وقد ساعده هذا في كسب أكبر قدر من العلوم والفنون، فدرس اثني عشر علماً وبرع فيها، كما تلقى التصوف والسلوك عن أكابر العارفين في عصره.

أما شيوخه في العلم والحديث: فسمع الحديث من أبي غالب الباقلاني، وأبي بكر أحمد بن المظفر، وأبي القاسم علي بن بيان الرزاز، وأبي محمد جعفر بن أحمد السراج، وأبي طالب عبد القادر بن محمد، وأبي سعد محمد بن عبد الكريم البغدادي، وأبي البركات هبة الله بن المبارك بن موسى البغدادي السقطي، وأبي العز محمد بن المختار الهاشمي العباسي، وأخذ الفقه عن شيخ الحنابلة القاضي أبي سعيد المبارك المخزومي البغدادي، وأخذ القرآن وعلومه وقراءاته وتفسيره الشيخ علي أبي الوفا بن عقيل الحنبلي البغدادي الظفري، والشيخ أبي الخطاب محفوظ بن أحمد بن حسن بن حسن العراقي الكلواذاني، وأخذ الأدب واللغة عن الشيخ يحيى بن علي بن محمد بن حسن بن بسطام الشيباني الخطيب التبريزي.

وأما شيوخه في التصوف والسلوك: فقد أخذ بادئ الأمر عن الشيخ حماد بن مسلم الدباس، وعن الشيخ أبي محمد جعفر بن أحمد السراج، كما أخذ عن الشيخ يوسف الهمداني، وعن الشيخ أبي الوفاء، وغيرهم من العلماء والأولياء، وأخذ الطريقة والخلافة والإجازة ولبس الخرقة الشريفة عن الشيخ أبي سعيد المبارك المخزومي، وخلفه على مدرسته في باب الأزج بعد موته.

هؤلاء هم أهم شيوخه الذين أخذ عنهم، كما أخذ عن غيرهم فكان نِعْمَ الآخذ، حتى برع في الأصول والفروع وأنواع الخلاف وعلوم القرآن والبلاغة والأدب، والمذهب الحنبلي ودام على ذلك ثلاثةً وثلاثين عاماً.

سنده رضي الله عنه في الطريقة

وأما سنده الشريف:

فقد تلقى الشيخ عبد القادر قدس سره هذه الطريقة عن الشيخ أبي سعيد المبارك المخزومي رضي الله عنه، وهو عن الشيخ علي الحكاري رضي الله عنه، وهو عن الشيخ أبي فرج الطرسوسي رضي الله عنه، وهو عن الشيخ عبد الواحد التميمي رضي الله عنه، وهو عن الشيخ أبي بكر الشبلي رضي الله عنه، وهو عن الشيخ الجنيد البغدادي رضي الله عنه، وهو عن الشيخ سري السقطي رضي الله عنه، وهو عن الشيخ معروف الكرخي رضي الله عنه.

وللشيخ معروف الكرخي سندين في الطريق:

السند الأول وهو السلسلة الذهبية: عن السيد الإمام علي الرضا عليه السلام، وهو عن أبيه السيد الإمام موسى الكاظم عليه السلام، وهو عن أبيه السيد الإمام جعفر الصادق عليه السلام، وهو عن أبيه السيد الإمام محمد الباقر عليه السلام، وهو عن أبيه السيد الإمام علي زين العابدين السجاد عليه السلام، وهو عن أبيه السيد الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام.

وأما السند الثاني: عن الشيخ داوود الطائي رضي الله عنه، وهو عن الشيخ حبيب العجمي رضي الله عنه، وهو عن الشيخ الحسن البصري رضي الله عنه.

وقد تلقى كل من الشيخ الحسن البصري رضي الله عنه، والسيد الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام، عن قطب المشارق والمغارب، وأسد الله الغالب أمير المؤمنين زوج الزهراء البتول، وابن عم الرسول عليه السلام وكرم الله وجهه ورضي الله عنه، عن فخر الأنبياء وسيد الأصفياء، سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو عن أمين الوحي وسيد الملائكة جبرائيل عليه السلام، وهو عمن ليس كمثله شيء وهو السميع البصير رب العزة جل جلاله.

تصدره للوعظ والتدريس والإرشاد

تصدر رضي الله عنه للوعظ والتدريس في شهر شوال سنة 528 هجرية، بعد أن فوضت إليه مدرسة شيخه أبي سعيد المخزومي بباب الأزج، فأقام فيها يدرس ويعظ الناس إلى أن ضاقت بالناس، فظهر له صيت كبير في الزهد، وقد أظهر الله الحكمة من قلبه على لسانه، حتى صار أحد أشهر الأولياء الذين وقع أجماع الأمة على ولايتهم ، وتتلمذ على يديه عدد كبير من الفقهاء والعلماء والمحدثين وأرباب الأحوال أمثال: شيخ العراق الزاهد الحسن بن مسلم الفارسي العراقي، وأمثال قاضي الديار المصرية عبد الملك بن عيسى الماراني الكردي الشافعي، وسيدي شعيب أبو مدين، وأبو عبد الله محمد بن أبي المعالي، والإمام الحافظ الأثري أبو محمد عبد الغني المقدسي الحنبلي، والشيخ بن قدامه المقدسي الحنبلي، وغيرهم الكثير رضي الله تعالى عنهم أجمعين، كما تصدر للتدريس والفتوى والتربية والوعظ وسلم إليه قلم الفتوى في زمانه.

يقول الشيخ عبد الوهاب الكيلاني: كان والدي رضي الله عنه يتكلم في الأسبوع ثلاث مرات بالمدرسة: بكرة الجمعة، وعشية الثلاثاء، وبالرباط بكرة الأحد([8]).

وقال الشريف أبو عبد الله محمد بن الخضر الحسيني: سمعتُ أبي يقول: كان سيدي الشيخ محيي الدين عبد القادر رضي الله عنه يتكلَّم في ثلاثة عشر علماً، وكان يذكر في مدرسته درساً مِن التفسير، ودرساً مِن الحديث، ودرساً مِن المذهب، ودرساً مِن الخلاف، وكان يُقرأ عليه طرفي النهار التفسير، وعلوم الحديث، والمذهب، والخلاف، والأصول، والنحو، وكان يقرأ القرآن بالقراءات، بعد الظهر ([9]).

قال الإمام ابن الجوزي البغدادي: كان الشيخ يتكلم على الناس بلسان الوعظ وظهر له صيت بالزهد وكان له سمت وصمت فضاقت مدرسته بالناس فكان يجلس عند سور بغداد مستندا إلى الرباط ويتوب عنده في المجلس خلق كثير فعمرت المدرسة ووسعت ([10]).

ويقول صاحب البهجة: قال أبو قاسم البزار كانت الفتوى تأتي الشيخ عبد القادر وما رأيته يبيت عنده فتوى ليطالع عليها، بل يكتب عليها عقب قراءتها، وكان يفتي على مذهب الإمام أحمد والشافعي، وتُعرض فتواه على علماء العراق فما كان تعجبهم من صوابه أشد من تعجبهم من سرعة جوابه.

وقال الشيخ عبد الوهاب الشعراني: وكان رضي الله عنه يتكلم في ثلاثة عشر علماً، وكانوا يقرءون عليه في مدرسته درساً من التفسير، ودرساً من الحديث ودرساً من المذهب، ودرساً من الخلاف، وكانوا يقرءون عليه طرفي النهار التفسير، وعلوم الحديث، والمذهب، والخلاف، والأصول، والنحو وكان رضي الله عنه يقرأ القرآن بالقراءات، بعد الظهر. وكان يفتي على مذهب الإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنهم، وكانت فتواه تعرض على العلماء بالعراق فتعجبهم أشد الإعجاب فيقولون: سبحان من أنعم عليه([11]).

ومما اشتهر عن سيدنا الشيخ عبد القادر رحمه الله تعالى مما يدل على فقهه وثبات قدمه في العلم ما حكاه عنه ابنه موسى كما قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى: سمعت والدي يقول: خرجت في بعض سياحتي إلى البرية، ومكثت أياماً لا أجد ماء فاشتد بي العطش، فأظلَّتني سحابة نزل عَلَيَّ منها شيء يشبه الندى، فترويت منه، ثم رأيت نوراً أضاء به الأفق، وبدت لي صورة، ونوديت منها: يا عبد القادر أنا ربك وقد أحللت لك المحرمات، أو قال: ما حرمت على غيرك، فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم اخسأ يا لعين، فإذا ذلك النور ظلام، وتلك الصورة دخان، ثم خاطبني وقال: يا عبد القادر نجوت مني بعلمك بحكم ربك وفقهك في أحوال منازلاتك، ولقد أضللت بمثل هذه الواقعة سبعين من أهل الطريق فقلت: لربي الفضل والمنَّة، قال: فقيل له: كيف علمت أنه شيطان؟ قال بقوله: وقد أحللت لك المحرمات.

ومما يدل على تمكنه في الفقه وبراعته فيه ماحكاه عنه ابنه عبد الرزاق قال: جاءت فتوى من العجم إلى علماء بغداد لم يتضح لأحد فيها جوابٌ شافي وصورتها: ما يقول السادة العلماء في رجل حلف بالطلاق الثلاث أنَّه لابد أن يعبد الله عز وجل عبادة ينفرد بها دون جميع الناس في وقت تلبسه بها فما يفعل من العبادات؟ قال: فأُتي بها إلى والدي فكتب عليها على الفور: يأتي مكة، ويخلى له المطاف، ويطوف أسبوعاً وحده وتنحل يمينه، قال: فما بات المستفتي ببغداد.

هكذا كانت حياته العلمية ووعظه وإرشاده، كان علماً وعالماً عاملاً وقدوةً وداعياً، واعترف بفضله القاصي والداني والعرب والعجم وانتشر فضله حتى عمَّ جميع البقاع، وقصده الوافدون من كل البلاد، والتف حوله الفقراء والمساكين، فكان بغية كل الطالبين في جميع العلوم، وكان بغية الناس فيما يحتاجون، فكان نوراً يشعُّ على دولة الإسلام رضي الله تعالى عنه ونفعنا ببركته.

ويقول الشيخ أبو الحسن الندوي في كتابه رجال الفكر والدعوة: ولم يمنعه اشتغاله بالوعظ والإرشاد وتربية النفوس من الاشتغال بالتدريس، ونشر العلم ونصر السنة والعقيدة الصحيحة، ومحاربة البدع، وقد كان في العقيدة والفروع متبعا للإمام أحمد والمحدثين والسلف، قال ابن رجب الحنبلي: كان متمسكاً في مسائل الصفات والقدر ونحوهما بالسنة، مبالغاً في الرد على من خالفها، وقد كان قوي الاشتغال بالتدريس، عالماً مثقفاً، قالوا: كان يتكلم في ثلاثة عشر علماً وكانوا يقرؤون عليه في مدرسته درساً من التفسير، ودرساً من الحديث، ودرساً من المذهب والخلاف وكانوا يقرؤون عليه طرفي النهار التفسير وعلوم الحديث والمذهب والخلاف والأصول والنحو، وكان رضي الله تعالى عنه يقرأ القرآن بالقراءات بعد الظهر، وكان يفتي على مذهب الإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنهما، وكانت فتواه تعرض على العلماء بالعراق، فتعجبهم أشد الإعجاب.

ويتابع الشيخ أبو الحسن قائلاً: عني الشيخ عبد القادر بعدما أتم دراسته العلمية والروحية بالإصلاح وإرشاد الخلق إلى الحق، وجمع بين الرئاسة الدينية والرئاسة العلمية، وكان أبو سعيد قد بنى مدرسة لطيفة بباب الأزج ففوضت إليه وتكلم مع الناس بلسان الوعظ وظهر له صيت، فضاقت مدرسته بالناس من ازدحامهم على مجلسه، فجلس للناس عند السور أياماً، ثم وسعت بما أضيف إليها من المنازل والأمكنة التي حولها، وبذل الأغنياء في عمارتها أموالهم، وعمل الفقراء فيها بأنفسهم، واكتملت المدرسة في سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، وصارت منسوبة إليه، وتصدر بها للتدريس والفتوى والوعظ مع الاجتهاد في العلم والعمل، وجمع الله قلوب عباده على حبه، وألهج ألسنتهم بالثناء عليه، وانتهت إليه رئاسة العلم والتربية والإصلاح والإرشاد والدعوة إلى الله بالعراق، وقصده الناس من الآفاق، ورزقه الله من الوجاهة والقبول ما أزرى بوجاهة الملوك والسلاطين، وهابه الخلفاء والملوك والوزراء فمن دونهم .

قال الشيخ موفق بن قدامة صاحب المغني: لم أر أحداً يعظم من أجلْ الدين أكثر منه، وكان يحضر مجالسه في بعض الأحيان الخليفة والملوك والوزراء فيجلسون متأدبين خاشعين. أما العلماء والفقهاء فلا يأتي عليهم حصر، وقد عد في بعض مجالسه أربعمائة محبرة. ويقول: وكان لمجالسه تأثير عظيم ونفع كثير.

يقول الشيخ عمر الكيساني: لم تكن مجالس سيدنا الشيخ عبد القادر رضي الله تعالى عنه تخلو ممن يُسْلِم من اليهود والنصارى، ولا ممن يتوب من قطاع الطريق وقاتلي النفس وغير ذلك من الفساق، ولا ممن يرجع عن معتقدٍ سيء، وقد كان يشعر بذلك ويحمد الله عليه، ويفضله على ما كان يهواه من الخلوة بالله والانقطاع عن الخلق والاشتغال بالعبادات.

قال الجبائي: قال لي سيدنا الشيخ أتمنى أن أكون في الصحاري والبراري كما كنت في الأول، لا أرى الخلق ولا يرونني، ثم قال: أراد الله عز وجل منِّي منفعة الخلق فإنه قد أسلم على يدي أكثر من خمسة آلاف من اليهود والنصارى، وتاب على يدي من العيارين والمسالحة أكثر من مائة ألف وهذا خير كثير.

هكذا كانت سيرة سيدنا الشيخ عبد القادر الجيلاني، عاش حياته للناس كالمطر للأرض وكالقمر يضيء لهم طريقهم إلى الله، به يهتدون ومعه يسيرون، فرضي الله تعالى عنه وأمدنا بمدده ونفعنا بعلمه وأفاض علينا من بركته وسلك بنا مسلكه، وكان سيدنا الشيخ عبد القادر في طليعة الداعين إلى التوسع في فهم القرآن الكريم والأحاديث النبوية، والتفهم على استنباط الدلائل المتعلقة بالعقائد والأحكام الفقهية منها، ولذا كان على جانب كبير من المعرفة في علوم القرآن وعلوم الحديث حتى أنه فاق علماء عصره في هذه العلوم الشريفة.

ومما يدل على سعة معرفة الشيخ بالكتاب الكريم ما أخبر به الحافظ أبو العباس أحمد بن أحمد بن أحمد البندنيجي: حضرت أنا والشيخ جمال الدين بن الجوزي -رحمه الله- مجلس سيدنا الشيخ عبد القادر رحمة الله عليه، فقرأ القارئ آية، ‌فذكر ‌الشيخ ‌في ‌تفسيرها وجها، فقلت للشيخ جمال الدين: أتعلم هذا الوجه؟ قال: نعم، فذكر الشيخ فيها أحد عشر وجها، وأنا أقول له: أتعلم هذا الوجه؟ وهو يقول: نعم، ثم ذكر الشيخ وجها آخر، فقلت له: أتعلم هذا؟ قال: لا، حتى ذكر فيها كمال أربعين وجها، يعزو كل وجه إلى قائله، والشيخ جمال الدين يقول: لا أعرف هذا الوجه، واشتد تعجبه من سعة علم سيدنا الشيخ، - رضي الله عنه -. ثم قال: نترك القال ونرجع إلى الحال، لا إله إلا الله محمد رسول الله، فاضطرب الناس اضطرابا شديدا، وخرق الشيخ جمال الدين بن الجوزي ثيابه» ([12]).

وكان لا يروي في كتبه وخطبه غير الأحاديث الصحيحة، وكان له باع طويل في نقد الحديث، وكان يشرحه في معناه اللغوي، ثم ينتقل إلى شرح مغزاه، ثم ينتقل إلى استنباط المعاني الروحية منه، وهكذا جمع بين ظاهرية المحدثين وروحانية الصوفية، وكان لا يشجع طلابه على دراسة الفلسفة أو علم الكلام، لأنه يرى أنهما ليسا من زاد القبر، ثم إنه يخشى أن ينصرف طلابه إليهما فيقعوا في مهاوي الآراء الفلسفية أو الكلامية البعيدة عن العقيدة الشرعية.

يقول الشيخ منصور الواسطي: دخلت وأنا شاب على الشيخ عبد القادر ومعي كتاباً يشتمل على شيء من الفلسفة وعلوم الروحانيات فقال لي: من دون الجماعة وقبل أن ينظر إلى كتابي أو يسألني عنه: يا منصور بئس الرفيق كتابك قم فاغسله وناولني بدله كتاب فضائل القرآن لمحمد بن العريس.

وروى ابن تيمية: عن الشيخ أحمد الفاروقي أنه سمع الشيخ شهاب الدين عمر السهروردي يقول: كنت قد عزمت أن أقرأ شيئاً من علم الكلام وأنا متردد هل أقرأ كتاب الإرشاد لإمام الحرمين أو نهاية الإقدام للشهرستاني أو كتاب آخر، فذهبت مع خالي أبي النجيب وكان يصلي بجنب الشيخ عبد القادر فالتفت إلي الشيخ عبد القادر وقال: يا عمر ما هو من زاد القبر? فعلمت أنه يشير إلى دراسة علم الكلام فرجعت عنه([13]).

صفاته الخلقية والخلقية

أما صفاته الخَلْقِيَّةِ: فقد وصفه الشيخ الإمام العلامة ابن قدامة فقال: كان شيخ الإسلام محيي الدين عبد القادر الجيلاني الشيخ رضي الله عنه نحيف البدن، مربوع القامة، عريض الصدر، عريض اللحية طويلها، أسمر اللون، مقرون الحاجبين، ذا صوت جهوري، وسمت بهي، وقدر علي، وعلم وفي([14]).

ووصفه خليفته الشيخ علي الهيتي رحمه الله فقال: إنه يميل إلى الطول، تبدو عليه أمارات النُّبل والاستقامة، وعريض الجبهة، يميل لونه إلى السُّمرة، يصل شعره إلى كتفيه، عريض المنكبين، متناسق الأعضاء، عذب الصوت جهوريّه، ذو نُطقٍ متميِّز، نظراته حادّة ثاقبة؛ تجعل من الصعب على جليسه أنْ يديم النظر إليه، لحيته متوسطة الكثافة، ولكنّها طويلة، رمادية اللون بعد ما تقدّمتْ به السن، دقيقة النهاية، هيئته العامة توحي بالبساطة المحببة كما توحي بالطيبة والنُّبل والجمال أيضاً ([15]).

أما صفاته الخُلُقِيَّةِ: فقد كان من أخلاقه أن يقف مع جلالة قدره مع الصغير والكبير والجارية، ويجالس الفقراء ويفلي لهم ثيابهم، وكان لا يقوم قط لأحد من العظماء وأعيان الدولة، ولم يلم قط بباب وزير ولا سلطان، وكان إذا جاءه خليفة أو وزير يدخل الدار ثم يخرج حتى لا يقوم له، وقد اتفقت الألسنة وشهادات المعاصرين على حسن خلقه وعلو همته، وتواضعه لله تعالى، وسخائه وإيثاره لغيره.

وقد وصفه أحد رجال عصره وهو الشيخ حرادة فقال: ما رأت عيناي أحسن خلقاً ولا أوسع صدراً ولا أكرم نفساً ولا ألطف قلباً ولا أحفظ عهداً ووداً من سيدنا الشيخ عبد القادر، ولقد كان مع جلالة قدره وعلو منزلته وسعة علمه، يقف مع الصغير ويوقر الكبير ويبدأ بالسلام ويجالس الضعفاء ويتواضع للفقراء، وما قام لأحد من العظماء ولا الأعيان ولا ألم بباب وزير ولا سلطان، كان له غرام بإطعام الطعام، والإنفاق على ذوي الحاجة والعاهة([16]).

وقال شيخ الإسلام الإمام النووي: كان جميل الصفات شريف الأخلاق، كامل الأدب والمروءة، كثير التواضع، دائم البشر، وافر العلم والعقل، شديد الاقتفاء لكلام الشرع وأحكامه، معظماً لأهل العلم، مُكرماً لأرباب الدين والسنة، مبغضاً لأهل البدع والأهواء، محباً لمريدي الحق مع دوام المجاهدة ولزوم المراقبة إلى الموت، وكان له كلام عالٍ في علوم المعارف، شديد الغضب إذا انتهكت محارم الله سبحانه وتعالى، سخي الكف كريم النفس على أجمل طريقة، وبالجملة لم يكن في زمنه مثله رضي الله عنه ([17]).

وقال العلامة النجار في تاريخه: قال الجبالي: قال الشيخ عبد القادر: فتشت الأعمال كلَّها، فما وجدت فيها أفضل من إطعام الطعام، أودُّ لو أنَّ الدنيا بيدي فأطعمها الجياع، كفي مثقوبة لا تضبط شيئاً، لو جاءني ألف دينار لم أُبَيِّتْها ([18]).

وقال صاحب قلائد الجواهر: كان رضي الله تعالى عنه يأمر كل ليلة بمد البساط، ويأكل مع الأضياف ويجالس الضعفاء، ويصبر على طلبة العلم، لا يظن جليسه أن أحداً أكرم عليه منه، ويتفقد من غاب من أصحابه، ويسأل عن شأنهم، ويحفظ ودهم، ويعفو عن سيئاتهم، ويصدق من حلف له، ويخفي علمه فيه.

مدرسة الشيخ وأثرها في الإصلاح والتربية

يعد المؤرخون وأهل السير ظهور الشيخ عبد القادر مرحلة من مراحل الإصلاح في تاريخ الأمة الإسلامية، فقد كان فريد عصره وكان مجدداً للدين والسنة وينطبق عليه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ([19])، فبدأ رحلته الدعوية من مدرسة باب الأزج التي كان الشيخ أبو سعيد المخزومي قد أسسها وكانت مدرسة صغيرة في حي من أحياء بغداد وهو باب الأزج، فلما توفي آلت إلى تلميذه الشيخ عبد القادر.

ويذكر أنه بدأ مجلسه بالرجلين والثلاثة ثم تزاحم الناس حتى صار مجلسه يضم سبعين ألفاً، ثم تزايد الإقبال حتى ضاقت المدرسة فخرج إلى سور بغداد بجانب رباطه، وصار الناس يجيئون إليه ويتوب عنده الخلق الكثير، وصارت له مكانة عظيمة وقد أجمع العلماء والأولياء والعارفون على مكانته وعلمه، وقد تميز بأسلوبه في التربية والسلوك والوعظ، مما جعله يفوق كل أقرانه، فذاع صيته في البلاد وقصده الناس من كل مكان، فعمد إلى توسيع المدرسة وإعادة بنائها، وأضاف إليها عدداً من المنازل والأمكنة التي حولها، وأضاف إليها رباطاً للسالكين والفقراء، ولقد بذل الأغنياء في سبيل عمارتها أموالهم، وعمل الفقراء فيها بأنفسهم وبذلوا الجهد الكبير.

يقول الإمام ابن الجوزي البغدادي: كان الشيخ يتكلم على الناس بلسان الوعظ وظهر له صيت بالزهد وكان له سمت وصمت فضاقت مدرسته بالناس فكان يجلس عند سور بغداد مستندا إلى الرباط ويتوب عنده في المجلس خلق كثير فعمرت المدرسة ووسعت ([20]).

يقول ابن رجب الحنبلي: إن امرأة فقيرة قررت المساهمة في عمارة المدرسة فلم تجد شيئاً، وكان زوجها من العمال فجاءت إلى الشيخ عبد القادر تصطحب زوجها وقالت: هذا زوجي ولي عليه من المهر قدر عشرين ديناراً ذهباً ولقد وهبت له النصف بشرط أن يعمل في مدرستك بالنصف الباقي، ثم سلّمت الشيخ خط الاتفاق الذي وقعته مع زوجها، فكان الشيخ يشغله في المدرسة يوماً بلا أجرة، ويوماً بأجرة لعلمه بأنه فقير لا يملك شيئاً، فلما عمل بخمسة دنانير أخرج له الخط ودفعه له، وقال: أنت في حِل من الباقي ([21]).

ولقد اكتمل بناء المدرسة عام 528 هـ، وصارت منسوبة إلى الشيخ عبد القادر رضي الله تعالى عنه فجعلها مركزاً للتدريس والإفتاء والوعظ والتربية والسلوك والإعداد الكامل في جميع المجالات الاجتماعية والروحية والتربوية والنفسية من أجل مواجهة أعداء الأمة فقسمها إلى مدرسة لدراسة التلاميذ والطلاب، وإلى رباط لتربية المريدين والسالكين، وكان يعينه في ذلك بعض تلاميذه البارزين وبعض أبنائه كالشيخ عبد الوهاب رضي الله تعالى عنه وغيره، ثم بنى مسجداً أضيف إلى المدرسة من أجل الصلاة كان مشهوراً باسم الجامع ذي القباب السبع، ثم سمي بعد ذلك باسم الشيخ عبد القادر، ثم أصبحت المدرسة تدعى فيما بعد بمحلة باب الشيخ، نسبة إلى سيدنا الشيخ عبد القادر رحمه الله تعالى.

أما تمويل المدرسة فلقد هيأ الله للشيخ من يتكفل بهذا فقد أوقف الأتباع والأغنياء عليها أوقافاً دائمة للصرف على الأساتذة والطلاب ويكون لها مورد دائم وكذلك كانت تأتي التبرعات والنذورات والصدقات وأموال الزكاة للشيخ لأنه كان يكسب ثقة الجميع بصدقه وإخلاصه مع الله وزهده في كل ما يقدم له، وكان يرضى بالقليل من العيش، فلذلك لم يترددوا في دفع أموالهم إليه، ومنهم من أوقف الكتب لمكتبتها، وكان لها خدم مهمتهم العناية بأمورها وخدمة الأساتذة والطلاب، ومن هؤلاء أحمد بن المبارك المرقعاتي ومحمد بن الفتح الهروي، فلقد أكرم الله الشيخ كرامة عظيمة وهيأ له الأتباع الصادقين فكانوا مستعدين للتضحية بأنفسهم وبأموالهم وبجهدهم في سبيل الشيخ وما يسعى إليه وما يريد من نشر الخير وتجديد الدين، وما ذاك إلا لأن الشيخ رضي الله تعالى عنه استطاع أن يفتح القلوب كلها فأحبه الصغير والكبير والرجل والمرأة والحاكم والمحكوم والغني والفقير وكل هذا لأنه أحب الله وأخلص في ما يريد فسخر الله له العباد تسخيراً كاملاً فكان هو وما يريد يلقى القبول عند جميع من يعرفه.

وكما ورد في الأخبار حتى الجن خضعت لسطوته ودانت لطاعته، وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الشريف: إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا فأحبه، قال فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء - قال -: ثم يوضع له القبول في الأرض ([22])، وهكذا كان حال شيخنا فقد كتب الله له القبول عند كل من عرفه أو سمع به، وكانت له هيبة عظيمة ومنزلة عالية في قلوب جميع الولاة والخلفاء.

أما الرباط فكان يسكنه الطلبة الوافدون من خارج بغداد، وكذلك يقيم فيه بعض السالكين والمريدين الذين ينقطعون للعبادة ويمارسون الرياضات والخلوات والمجاهدات التي تساعد على تزكية نفوسهم، وتقام فيه مجالس ذكر وأحياناً مجالس وعظ وكان يلجأ إليه الفقراء والمساكين، وكان يُشرف عليه أحد تلاميذ الشيخ عبد القادر الذي تخرّج على يديه في الفقه والتصوف معاً، وكذلك السلوك والتربية وهو محمود بن عثمان بن مكارم النعَّال رحمه الله.

وبهذا المنهج التربوي العظيم استطاع الشيخ عبد القادر أن يجعل من مدرسته أعظم منارة في ذلك الزمن، وقد تخرج منها جيل عظيم استطاع أن يثبت وجوده في التصدي للغزو الصليبي ومن بعده المغول والتتار.

يقول الدكتور ماجد عرسان الكيلاني: وتدل الأخبار المتعلقة بالمدرسة على أنها لعبت دوراً رئيسياً في إعداد جيل المواجهة للخطر الصليبي في البلاد الشامية، فقد كانت المدرسة تستقبل أبناء النازحين الذين فروا من وجه الاحتلال الصليبي، ثم تقوم بإعدادهم ثم إعادتهم إلى مناطق المواجهة الدائرة تحت القيادة الزنكية، ولقد اشتهر فيما بعد نفر من هؤلاء الطلاب منهم ابن نجا الواعظ الذي أصبح فيما بعد مستشار صلاح الدين السياسي والعسكري، والحافظ الرهاوي، وموسى ابن الشيخ عبد القادر الذي انتقل إلى بلاد الشام ليسهم في النشاط الفكري، وموفق الدين صاحب كتاب المغني وأحد مستشاري صلاح الدين، وقريبه الحافظ عبد الغني اللذين وفدا للالتحاق بمدرسة سيدي الشيخ عبد القادر بعد أن نزحت أسرتهما من جماعيل في منطقة نابلس إلى دمشق ([23]).

ويقول موفق الدين ابن قدامة المقدسي: دخلنا بغداد سنة إحدى و ستين وخمسمائة. فإذا بالشيخ عبد القادر ممن انتهت إليه الرئاسة بها علماً وعملاً وحالاً واستفتاءً. وكان يكفي طالب العلم عن قصد غيره من كثرة ما اجتمع فيه من العلوم، والصبر على المشتغلين وسعة الصدر، وكان ملء العين وجمع الله فيه أوصافاً جميلة وأحوالاً عزيزة وما رأيت بعده مثله ([24]).

والذي يتمعن في المنهج الذي طبقه سيدي الشيخ عبد القادر قدس الله سره، فهو يشبه بشكل كبير المنهج الذي رسمه الإمام الغزالي، بل تكاد تجد أن سيدنا الشيخ عبد القادر سار متابعاً لما أسسه الإمام الغزالي، فقد وضع الشيخ عبد القادر منهاجاً متكاملاً يستهدف إعداد الطلبة والمريدين علمياً وروحياً واجتماعياً، ويؤهلهم لحمل رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله، كذلك توفر لهذا المنهاج فرص التطبيق العملي من خلال المدرسة والرباط المعروفين باسم الشيخ عبد القادر، فكان منهجه قائماً على العلم ومن ثم العمل ومن ثم الصدق والإخلاص وذلك بتزكية النفوس من خلال المنهج الرياضي في الخلوات والعبادات والأدعية والأذكار.

وكان المنهج العلمي يتضمن حوالي ثلاثة عشر علماً تشتمل التفسير والحديث والفقه الحنبلي والخلاف والأصول والنحو والقراءات، إلا أنه كان يستبعد علم الكلام والفلسفة وينهى عن مطالعة كتبها السائدة، وكان الجمع بين الفقه والتصوف السني شرطاً أساسياً للمريدين، واستطاع أن يعطي التصوف صورته الحقيقة، فلم يجد له معارضين ولا منكرين، وبهذا المنهج سار إمامنا رضي الله تعالى عنه.

هذه هي المدرسة القادرية وهذا هو منهجها وعلى هذا قضى الشيخ رضي الله تعالى عنه حياته، كرَّس معظم أوقاته للمدرسة والرباط، وكانتا منارتين عظيمتين ولا غنى لكل واحدة عن الأخرى، وفرغ نفسه وأولاده لخدمة هاتين المنارتين، فكان لا يخرج منهما.

ولقد قام أسلوبه في التدريس والتربية والوعظ والسلوك على مراعاة استعدادات كل طالب وكل مريد وكل زائر وكل مستمع والصبر عليه.

ولقد أمضى الشيخ عبد القادر في التدريس ثلاثاً وثلاثين سنة بدأها عام 528 هـ ، وانتهت بوفاته 561 هـ ، ولا تزال المدرسة باقية إلى اليوم، ولها مكتبة فيها مخطوطات شهيرة وتعرف باسم المكتبة القادرية، وأيضاً أسست فيها فيما بعد مدرسة شرعية لا زالت قائمة تخرج العلماء والدعاة إلى هذا اليوم.

وبعد وفاة الشيخ رضي الله عنه تكفل أولاده من بعدها بالمدرسة فظلوا يُدرِّسون فيها: فدرس فيها ابنه الشيخ عبد الجبار حتى توفي سنة 575هـ، وابنه الشيخ إبراهيم حتى توفي سنة 590هـ، وابنه الشيخ عبد الوهاب حتى تُوفِّيَ سنة 593هـ، وابنه الشيخ عبد الرزاق حتى تُوفِّيَ سنة 603هـ، ثم درس فيها من أحفاده الشيخ عبد السلام ابن الشيخ عبد الوهاب، والشيخ نصر قاضي القضاة ابن الشيخ عبد الرزاق وغيرهما.

هذه هي المدرسة القادرية قامت وأسست على تقوى من الله ونور وهكذا بقيت وما تزال صرحاً إسلامياً باقياً عظيماً، وستبقى إن شاء الله تعالى حتى يرث الله الأرض ومن عليها.


طريقته ومنهجه في التربية والسلوك

لقد رأينا فيما سبق كيف جاء الشيخ إلى بغداد ودخلها في سنة 488 هـ ، وشمر عن ساعد الجد عندما علم أن طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، فاجتهد بهذه الطريق وكان يدرس اثني عشر علماً حتى صار سلطان العلماء، ويفتي على المذهبين الحنبلي والشافعي، وتصدر للتدريس في مدرسة شيخه أبي سعيد المخزومي في باب الأزج حتى ضاقت المدرسة بالوافدين فخرج من بغداد إلى أطرافها ليتسع للناس حيث وصل عدد الذين يجلسون في مجلسه إلى سبعين ألف طالب وعالم ومتصوف.

ورُويَ عنه أيضا أنه قضى عدة سنوات على ضفاف دجلة معتكفاً متعبداً الله عز وجل، ثم توجه إلى علم التصوف والسلوك والتربية فأخذ هذا العلم عن قاضي القضاة أبي سعيد المخزومي وعن الشيخ حماد الدباس وعن الشيخ عبد الله الصومعي حتى شهد الكل له بالصلاح والولاية وذاع صيته في بغداد.

فاستطاع أن يجمع بين الفقه والعلم والتصوف والسلوك والتربية، وعندما رأى ضلال بعض الفرق الصوفية وخروجها عن الكتاب والسنة راح يحاربها ويبين زيفها وزيغها وبِدعَها وسعى جاهدا ليُخْضِع الطريقة للشريعة لكي لا تضل ولا تزيغ بل قدَّم الشريعة على الطريقة لأنها الأصل الذي تبنى عليه الطريقة.

وكان من كلامه: اتبعوا ولا تبتدِعوا،

ومن كلامه: تفقه ثم اعتزل وكل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي زندقة،

فبهذا المنهج العظيم المتكامل المبني على الكتاب والسنة خضع له كل العلماء والأولياء في زمنه لما رأوا فضله عليهم، وبذلك أعاد ربط السلوك والتصوف بالفقه والشرع كما كان الزهد والتعبد على عهد السلف.

وكان له باع طويل بالتأليف وخاصة بالتصوف والسلوك مثل كتاب: الفتح الرباني وفتوح الغيب والغنية وسر الأسرار والطريق إلى الله وآداب السلوك، وكل هذا من أجل أن يضع لطريقته منهاجاً قويماً قائماً على الكتاب والسنة من أجل أن ينير الدرب لمريديه من بعده حتى لا يضلوا وينغمسوا في البدع والضلال، وهكذا كان منهجه، استطاع أن يوفق بين الفقه والتصوف وآخى بين الفقهاء والمتصوفة وأخضع الحقيقة للشريعة وصفى التصوف من البدع التي دخلت في فجلس بمجلسه العلماء، ووقف ببابه الأولياء.

وقد وضَّح الشيخ طريقته فقال في سالكها: فلا يرى غير مولاه وفعله، ولا يسمع ولا يعقل من غيره إن بصر وإن سمع وعلم، فلكلامه سمع، ولعلمه علم، وبنعمته تنعم، وبقربه تسعد، وبتقريبه تزين وتشرف، وبوعده طاب وسكن، به اطمأن، وبحديثه أنس، وعن غيره استوحش ونفر، وإلى ذكره التجأ وركن، وبه عزَّ وجلَّ وثق وعليه توكل، وبنور معرفته اهتدى وتقمص وتسربل.

وقد أسس سيدي الشيخ عبد القادر طريقته على مجموعة من القواعد والأسس والأصول والآداب المستمدة من منهج الكتاب والسنة، ومنهج العارفين من مشايخه الذين أخذ عنه هذه الطريقة المباركة، وتبرأ من كل من لا يتمسك بهذه القواعد والأصول، ومن كل ما يخالف الكتاب والسنة، فقال في الفتح الرباني: كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي زندقة، ويقول في الغنية: طر إلى الحق عز وجل بجناحي الكتاب والسنة ادخل عليه ويدك في يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد تميز منهج الشيخ بالشدة في التربية، فطريقته قائمة على المجاهدة وطلب العلم ولزوم الشريعة، حتى أقام مدرسة سلوكية عظيمة انتشرت في مشارق الأرض ومغاربها منذ أكثر من تسعمائة سنة، ومازالت قائمة قوية ثابتة بمنهجها العظيم، وقد شهد لطريقته الكثير من العلماء.

يقول عنه الشيخ أحمد الرفاعي رضي الله عنه: الشيخ عبد القادر من يستطيع وصف مناقبه؟ ومن يبلغ مبلغه؟ ذاك رجل بحر الشريعة عن يمينه، وبحر الحقيقة عن يساره من أيهما شاء اقترف، لا ثاني له في وقتنا هذا([25]).

ويقول عنه الشيخ عدي بن مسافر: طريقته الذبول تحت مجاري الأقدار موافقة القلب والروح واتحاد الباطن والظاهر وانسلاخه من صفات النفس([26]).

ويقول عنه ابن رجب في طبقاته: ظهر للناس، وحصل له القبول التام، وانتصر أهل السنة الشريفة بظهوره، وانخذل أهل البدع والأهواء، واشتهرت أحواله وأقواله وكراماته ومكاشفاته، وجاءته الفتاوى من سائر الأقطار، وهابه الخلفاء والوزراء والملوك فمن دونهم.

ويقول عنه الشيخ علي بن الهيتي وهو من أشهر خلفاءه: كان قدمه التفويض والموافقة مع التبرؤ من الحول والقوة وكانت طريقته تجريد التوحيد وتوحيد التفريد مع الحضور في موقف العبودية لا بشيء ولا لشيء ([27]).

ويقول عنه الإمام عبد الوهاب الشعراني: طريقته التوحيد وصفاً وحكماً وحالاً وتحقيقه الشرع ظاهرا وباطناً ([28]).

ويقول عنه ابن حجر: كان الشيخ عبد القادر متمسكاً بقوانين الشريعة، يدعو إليها وينفر عن مخالفتها، ويشغل الناس فيها مع تمسكه بالعبادة والمجاهدة، ومزج ذلك بمخالطة الشاغل عنها غالباً كالأزواج والأولاد، ومن كان هذا سبيله كان أكمل من غيره لأنها صفة صاحب الشريعة ([29]).

نعم هكذا كانت طريقة ومسيرة سيدي الشيخ عبد القادر الجيلاني وعلى هذا سار في منهج التربية مع تلاميذه وكان معروفاً بين المشايخ بشدته وحزمه في التربية ولا يتهاون في الشريعة وحدودها.

وكان يعتمد في تربية المريدين أولاً على الحِلْمِ بهم ومن ثم العلم والفقه والحديث ثم على الزهد والتقشف والرياضات والخلوات والمجاهدات وعلى الأذكار والأدعية فقام بوضع الأوراد وقسمها على الأيام والليالي والأوقات فكانت خبرته في التربية ليس لها مثيل في عصره حتى انتهت إليه رئاسة العلم والتربية في زمنه فلذلك اشتهر بين العوام والخواص وشهدت له كل الملل والنحل حتى أن اليهود والنصارى كانوا يحضرون مجالسه.

وأشاد بسيرته ومنهجه وشهد بفضله كبار علماء الأمة وصالحيها ممن عاصروه وممن جاءوا من بعده فمن العلماء كالعز ابن عبد السلام والإمام النووي وابن كثير والذهبي وابن تيمية وابن القيم والسيوطي وابن حجر.

ومن الصالحين كالإمام الرفاعي والشيخ عقيل المنبجي والسهروردي ومحي الدين العربي وعدي بن مسافر والشيخ رسلان الدمشقي وحياة بن قيس الحراني وأبي مدين وأبي الحسن الشاذلي والشعراني.

أقوال العلماء في الشيخ عبد القادر

من خلال ما مرَّ معنا تبين لنا أنَّ شخصية سيدنا الشيخ كانت شخصية عظيمة بل وفريدة من نوعها، جمع كافة العلوم وأتقن كافة الفنون، وكان بحراً لا سواحل له، حتى دان له العلماء وخضع له الأولياء، وأجمع على علمه وولايته العلماء والأولياء، وأثنى عليه الكثير من علماء الأمة الصالحون والعارفون، وكتبت فيه وعنه المئات من الكتب والرسائل والتصانيف، بل لا تكاد تجد رجلاً من العلماء كُتِبَ في سيرته مثل الذي كتب في سيرة الشيخ، وقيل فيه العديد من القصائد والأشعار، وإليك بعض ما قيل في حقه:

يقول شيخ الإسلام الإمام النووي: ما علمنا فيما بلغنا من الثقات الناقلين وكرامات الأولياء أكثر مما وصل إلينا من كرامات القطب شيخ بغداد محيي الدين عبد القادر الجيلي رضي الله تعالى عنه، كان شيخ السادة الشافعية والسادة الحنابلة ببغداد، وانتهت إليه رياسة العلم في وقته، وتخرج بصحبته غير واحد من الأكابر، وانتهى إليه أكثر أعيان مشايخ العراق، وتتلمذ له خلق لا يحصون عدداً من أرباب المقامات الرفيعة، وانعقد عليه إجماع المشايخ والعلماء بالتبجيل والإعظام، والرجوع إلى قوله والمصير إلى حكمه، وأُهْرع إليه أهل السلوك من كل فجٍ عميق، وكان جميل الصفات شريف الأخلاق. كامل الأدب والمروءة، كثير التواضع، دائم البشر، وافر العلم والعقل، شديد الاقتفاء لكلام الشرع وأحكامه، معظماً لأهل العلم، مُكرماً لأرباب الدين والسنة، مبغضاً لأهل البدع والأهواء، محباً لمريدي الحق مع دوام المجاهدة ولزوم المراقبة إلى الموت، وكان له كلام عالٍ في علوم المعارف، شديد الغضب إذا انتهكت محارم الله سبحانه وتعالى، سخي الكف كريم النفس على أجمل طريقة، وبالجملة لم يكن في زمنه مثله رضي الله عنه ([30]).

ويقول سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام: إنه لم تتواتر كرامات أحدٍ من المشايخ إلا الشيخ عبد القادر فإن كراماته نقلت بالتواتر([31]).

ويقول الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء: الشيخ عبد القادر الشيخ الإمام العالم الزاهد العارف القدوة شيخ الإسلام علم الأولياء محيي الدين أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح عبد الله بن جنكي دوست الجيلي الحنبلي شيخ بغداد.

ويقول الشيخ بن تيمية في فتاويه: ولهذا يقول الشيخ عبد القادر قدس الله روحه كثير من الرجال إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا وأنا انفتحت لي فيه روزنة فنازعت أقدار الحق بالحق للحق والرجل من يكون منازعا لقدر لا موافقا له وهو كان يعظم الأمر والنهي ويوصي باتباع ذلك وينهى عن الاحتجاج بالقدر([32]).

ويقول أيضاً: وأما أئمة الصوفية والمشايخ المشهورين من القدماء مثل الجنيد بن محمد وأتباعه ومثل الشيخ عبد القادر وأمثاله، فهؤلاء من أعظم الناس لزوماً للأمر والنهي وتوصية باتباع ذلك وتحذيراً من المشي مع القدر كما مشى أصحابهم أولئك. وهذا هو الفرق الثاني الذي تكلم فيه الجنيد مع أصحابه، والشيخ عبد القادر كلامه كله يدور على اتباع المأمور و ترك المحظور والصبر على المقدور ولا يثبت طريقاً تخالف ذلك أصلا، لا هو ولا عامة المشايخ المقبولين عند المسلمين و يحذر عن ملاحظة القدر المحض بدون إتباع الأمر و النهي([33]).

ويقول شيخ الإسلام بن حجر العسقلاني: كان الشيخ عبد القادر متمسكاً بقوانين الشريعة، يدعو إليها وينفر عن مخالفتها، ويشغل الناس فيها مع تمسكه بالعبادة والمجاهدة، ومزج ذلك بمخالطة الشاغل عنها غالباً كالأزواج والأولاد، ومن كان هذا سبيله كان أكمل من غيره لأنها صفة صاحب الشريعة ([34]).

ويقول الشيخ أحمد الرفاعي: الشيخ عبد القادر من يستطيع وصف مناقبه ؟ ، ومن يبلغ مبلغه ؟ ، ذاك رجل بحر الشريعة عن يمينه ،وبحر الحقيقة عن يساره من أيهما شاء اغترف ،لا ثاني له في وقتنا هذا ([35]).

ويقول الإمام ابن قدامة المقدسي: دخلنا بغداد سنة إحدى وستين وخمسمائة فإذا الشيخ عبد القادر بها انتهت إليه بها علماً وعملاً وحالاً واستفتاءً، وكان يكفي طالب العلم عن قصد غيره من كثرة ما اجتمع فيه من العلوم والصبر على المشتغلين وسعة الصدر، كان ملئ العين وجمع الله فيه أوصافاً جميلة وأحوالاً عزيزة وما رأيت بعده مثله ولم أسمع عن أحد يحكى عنه من الكرامات أكثر مما يحكى عنه، ولا رأيت أحداً يعظمه الناس من أجل الدين أكثر منه([36]).

يقول الإمام السمعاني: كان عبد القادر أبو محمد من أهل جيلان إمام الحنابلة وشيخهم في عصره، فقيه صالح دَيِّنٌ خَيِّـرٌ كثيرُ الذكرِ دائمُ الفكرِ سريعُ الدمعةِ، تفقه على المخزومي وصحب الشيخ حماداً الدباس، وكان يسكن باب الأزج في مدرسة بُنِيت له، مضينا لزيارته فخرج وقعد بين أصحابه وختموا القرءان فألقى درساً ما فهمت منه شيئاً وأعجب من ذا أن أصحابه قاموا وعادوا الدرس فلعلهم فهموا لإلفهم بكلماته وعبارته وقال: هو إمام الحنابلة وشيخهم في عصره، فقيه صالح كثير الذكر دائم الفكر، وهو شديد الخشية، مجاب الدعوة أقرب الناس للحق ولا يرد سائلاً ولو بأحد ثوبيه([37]).

ويقول محب الدين النجار في تاريخه: عبد القادر الجيلاني بن أبي صالح جنكي دوست من أهل جيلان أحد الأئمة الأعلام صاحب الكرامات الظاهرة كان من الأولياء المجتهدين والمشايخ المرجوع إليهم في أمور الدين وأحد أئمة الإسلام العالمين العاملين ([38]).

ويقول ابن كثير: الشيخ عبد القادر الجيلي ابن أبي صالح أبو محمد الجيلي ولد سنة سبعين وأربعمائة ودخل بغداد فسمع الحديث وتفقه على أبي سعيد المخزومي الحنبلي، وقد كان بَنَى مدرسة ففوضها إلى الشيخ عبد القادر فكان يتكلم على الناس بها ويعظهم وانتفع به الناس انتفاعاً كثيراً، وكان له سمت حسن وصمت، غير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان فيه تزهد كثير، وله أحوال صالحة ومكاشفات، ولأتباعه وأصحابه فيه مقالات ويذكرون عنه أقوالاً وأفعالاً ومكاشفات أكثرها مغالاة وقد كان صالحاً ورعاً([39]).

ويقول ابن رجب في طبقاته: عبد القادر بن أبي صالح الجيلي ثم البغدادي، الزاهد شيخ العصر وقدوة العارفين، وسلطان المشايخ وسيد أهل الطريقة، محيي الدين ظهر للناس، وحصل له القبول التام، وانتصر أهل السنة الشريفة بظهوره، وانخذل أهل البدع والأهواء، واشتهرت أحواله وأقواله وكراماته ومكاشفاته، وجاءته الفتاوى من سائر الأقطار، وهابه الخلفاء والوزراء والملوك فمن دونهم.

ويقول الإمام اليافعي: قطب الأولياء الكرام، شيخ المسلمين والإسلام ركن الشريعة وعلم الطريقة، شيخ الشيوخ ،قدوة الأولياء العارفين الأكابر أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلي قدس سره وَنُوِّرَ ضريحه، تحلى رضي الله عنه بحلي العلوم الشرعية وتجمل بتيجان الفنون الدينية ،وتزود بأحسن الآداب وأشرف الأخلاق، قام بنص الكتاب والسنة خطيباً على الأشهاد ،ودعا الخلق إلى الله سبحانه وتعالى فأسرعوا إلى الانقياد، وأبرز جواهر التوحيد من بحار علوم تلاطمت أمواجها، وأبرأ النفوس من أسقامها وشفى الخواطر من أوهامها وكم رد إلى الله عاصياً، تتلمذ له خلق كثير من الفقهاء([40]).

ويقول الشيخ حسن قضيب البان شيخ الموصل: الشيخ عبد القادر رحمه الله تعالى قائد ركب المحبين وقدوة السالكين، وإمام الصديقين، وحجة العارفين، وصدر المقربين، في هذا الوقت ([41]).

ويقول عنه الشيخ بقا بن بطو: كانت قوة الشيخ عبد القادر الجيلاني في طريقته إلى ربه كقوى جميع أهل الطريق شدة ولزوما وكانت طريقته التوحيد وصفا وحكما وحالاً ([42]).

ويقول عنه الشيخ علي بن الهيتي: كان قدمه التفويض والموافقة مع التبرؤ من الحول والقوة وكانت طريقته تجريد التوحيد وتوحيد التفريد مع الحضور في موقف العبودية لا بشيء ولا لشيء ([43]).

ويقول الإمام الإشبيلي: عبد القادر الجيلاني فقيه الحنابلة والشافعية ببغداد وشيخ جماعتها له القبول التام عند الفقهاء والفقراء والعوام وهو أحد أركان الإسلام انتفع به الخاص والعام كان مجاب الدعوة سريع الدمعة دائم الذكر كثير الفكر رقيق القلب دائم البِشْرِ كريم النفس سخي اليد غزير العلم شريف الأخلاق طيب الأعراف مع قدم راسخ في العبادة والاجتهاد([44]).

ويقول عنه الشيخ عبد الوهاب الشعراني: طريقته التوحيد وصفاً وحكماً وحالاً وتحقيقه الشرع ظاهراً وباطناً ([45]).

ويقول عنه الشيخ عدي بن مسافر: طريقته الذبول تحت مجاري الأقدار موافقة القلب والروح واتحاد الباطن والظاهر وانسلاخه من صفات النفس([46]).

ويقول مفتي العراق محمد بن حامد البغدادي في وصفه: سريع الدمعة شديد الخشية كثير الهيبة مجاب الدعوة كريم الأخلاق طيب الأعراق أبعد الناس عن الفحش أقرب الناس إلى الحق شديد البأس إذا انتهكت محارم الله وكان التوفيق رأيه والتأييد صناعته والذكر وزيره والفكر سميره وآداب الشريعة ظاهره وأوصاف الحقيقة سرائره ([47]).

يقول عنه الإمام العليمي الحنبلي: الشيخ الإمام العالم السيد الكبير الزاهد، شيخ العصر وقدوة العارفين وسلطان المشايخ وسيد أهل الطريقة في وقته، محيي الدين أبو محمد، صاحب المقامات، والمواهب والكرامات، والخوارق الباهرات، والعلوم والمعارف والأحوال المشهورة ([48]).

رضي الله تعالى عنه وأرضاه ونفعنا ببركته وأفضا علينا من نوره آمين.

زوجاته رضي الله تعالى عنهن

دخل الشيخ قدس سره بغداد وكان له من العمر ثماني عشرة سنة، وكان أعزباً لم يتزوج، وانشغل بطلبة العلم والسلوك، ثم بالمجاهدة والعبادة فترة من الزمن، ولم يتزوج خوفاً من تضييع الوقت بالزواج والأولاد فلا يحقق مطلبه وغايته التي هاجر من موطنه لأجلها، أضف إلى أن ظروفه لم تكين تعينه على الزواج والانفاق ، وغالباً أنه لم يتزوج إلا بعد أن جاوز الثلاثين من عمره

يقول الشيخ شهاب الدين عمر السهروردي: سمعنا أن الشيخ عبد القادر قال له بعض الصالحين، لما تزوجت؟ فقال: ما تزوجت حتى قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: تزوج([49]).

ونقل عنه أنه قال: كنت أريد الزوجة مدة من الزمان ولا أتجرأ على التزوج خوفاً من تكدير الوقت، فلما صبرت إلى أن بلغ الكتاب أجله ساق الله تعالى إلىَّ أربع زوجات، ما منهن إلا من تنفق على إرادة ورغبة ([50]).

ولم يذكر أحدٌ من المؤرخين تاريخ أول زواج له، ولكن صاحب كتاب قلائد الجواهر التاذفي يقول: إن ولده البكر هو عبد الله الذي ولد في سنة 508هـ، بينما الأستاذ محمد العيني يقول إن ولده البكر هو عبد الوهاب الذي ولد في سنة 522هـ([51]).

وكانت زوجاته كلهن من الصالحات المؤمنات القانتات، وكن عوناً له في حياته، لقد رزق الشيخ منهن الكثير من الأولاد كما يأتي فعاش منهم من عاش، ومات العديد منهم.

مؤلفاته رضي الله عنه

لقد ألف الشيخ عبد القادر قدس سره العالي الكثير من الكتب، منها ما وصل إلينا، ومنها ما لم يصل، ومنها المطبوع والمخطوط، كما أنه ينسب له الكثير من الكتب منها ما تصح نسبته له، ومنها ما لا تصح نسبته، وسنذكر فيما يأتي أهم وأشهر الكتب التي ثبتت نسبتها للشيخ رضي الله عنه:

1) الغنية لطالبي طريق الحق: وهو من أشهرها في الفقه والعقيدة والتصوف.

2) الفتح الرباني والفيض الرحماني: كتاب في مجالس الوعظ والإرشاد.

3) فتوح الغيب: وهو عبارة عن مقالات في التصوف والعقيدة والوعظ.

4) سر الأسرار: وهو كتاب في التصوف والخلوة والمجاهدة.

5) الطريق إلى الله: وهورسالة بالأسماء العظام، أسماء الطريقة القادرية.

6) جلاء الخاطر من كلام الشيخ عبد القادر: كتاب يتضمن رسائل ومواعظ.

7) تنبيه الغبي إلى رؤية النبي: وهو مخطوط لم يطبع.

8) معراج لطيف المعاني:

9) ديوان الشيخ عبد القادر الجيلاني: بالفارسية والعربية.

10) الرسالة الغوثية: وهي رسالة تنسب له وتنسب أيضا لابن عربي.

11) رسائل ومكتوبات الشيخ عبد القادر: وهو مجموعة من مواعظه ورسائله.

12) عدة رسائل في الأوراد: وهي عدة رسائل مخطوطة تتضمن العديد من أحزاب الشيخ وأوراده منها: أوراد الجيلاني المتضمن أوراد الأيام والأوقات كالحزب الكبير وحزب الرجاء والالتجاء والأوراد الفتحية والصلوات الجيلانية الكبرى وصلوات بشائر الخيرات وصلوات الكبريت الأحمر، وخواص الفاتحة والبسملة وغيرها من الأوراد.

وتوجد العديد من المؤلفات للشيخ لكن اكتفينا بذكر أشهرها وأصحها نسبة للشيخ رضي الله عنه.

أولاده رضي الله تعالى عنهم

قال ابن النجار في تاريخه: سمعت الشيخ عبد الرزاق ابن الشيخ عبد القادر الجيلي يقول: وُلد لوالدي تسعة وأربعون ولداً، سبعة وعشرون ذكراً، والباقي اناثاً ([52]).

وقد عنيَ الشيخ بتربيتهم وتهذيبهم، وتخرجوا على يديه في العلم، وكان معظمهم من أكابر الفقهاء والمحدثين، وقد ابتُلِيَ بفقد الأولاد، فقد تُوفِّيَ له من أولاده أربعة عشر ذكراً وإحدى وعشرون بنتاً، فصبر على ذلك صبر الكرام، وعاش منهم ثلاثة عشر ذكراً وبنتاً واحدة.

أما الذكور فهم: عبد الله، وعبد الوهاب، وعبد الرزاق، وعبد العزيز، وعبد الجبار، وإبراهيم، ومحمد، وعبد الرحمن، وعيسى، وموسى، وصالح، وعبد الغني، ويحيى، وأما البنت فهي: أمَةُ الجبار فاطمة، رضي الله عنهم أجمعين.

قال الجبائي أحد تلاميذ الشيخ رحمه الله تعالى: قال سيدنا الشيخ عبد القادر: كان إذا وُلِد لي ولد أخذته على يدي وأقول: هذا ميت، فأخرجه من قلبي فإذا مات لم يؤثر عندي موته شيئاً، لأني قد أخرجته من قلبي أول ما وُلِد . أي أنه رحمه الله تعالى كان إذا وُلِد له الولد قال في نفسه: هذا الولد مصيره الموت، فالموت سبيل كل حي، وهو عارية عندي ليس غير، قال الجبائي: لذلك كان يموت من أولاده الذكور والإناث ليلة مجلسه فلا ينقطع المجلس، ويصعد على الكرسي ويعظ الناس، والغاسل يغسل الميت فإذا فرغوا من غسله جاؤوا به إلى المجلس فينزل الشيخ ويصلي عليه([53]).

ونذكر من أولاده:

الشيخ عبد الله: وهو أكبر أولاد الشيخ عبد القادر، ولد في سنة 508هـ، سمع من أبيه ومن هبة الله بن الحصين ومن ابن البناء، وتُوفِّيَ ببغداد في السابع والعشرين من صفر سنة 589هـ وقيل 587هـ .

الشيخ عبد الوهاب: وُلِد في شهر شعبان سنة 522هـ ببغداد، تفقه على والده، وسمع منه ومن أبي غالب بن البناء و غيرهما، رحل إلى بلاد العجم حيث طلب العلم هناك، ثم عاد إلى بغداد ودرَّسَ بمدرسة والده أثناء حياته نيابة عنه منذ سنة 543 هـ ، وبعد وفاة والده وعظ وأفتى، وتخرج به جماعة منهم الشريف الحسيني البغدادي وأحمد بن عبد الواسع وغيرهما، وكان فقيهاً فاضلاً، حسن الكلام في مسائل الخلاف فصيح اللسان في الوعظ، وكان ظريفاً مليح النادرة، ذا مزاح ودعابة وكياسة، وكانت له مروءة وسخاوة، وجعله الإمام الناصر لدين الله على المظالم سنة 583هـ. وكان قلمه شديداً في الفتوى. تُوفِّيَ في بغداد ليلة الخامس والعشرين من شوال سنة 593هـ ودفن بمقبرة الحلبة رحمة الله عليه، وقال ابن رجب في طبقاته: إنه سمع من ابن الحسين وابن الزغواني وأبي غالب بن البناء وغيرهم وكان فقيهاً زاهداً واعظاً، وقال القنوجي صاحب كتاب التاج المكلل: إنه دَرَسَ على ابن البناء والقزاز والأرموي وأبي الوقت.

الشيخ عبد الرزاق: ولد عشية الاثنين الثامن عشر من ذي القعدة سنة 528هـ ، هو الشيخ القدوة الحافظ، تفقه على والده وسمع منه ومن أبي الحسن بن صرما وغيرهما، حدَّث وأملى ودَرَّسَ وأفتى وناظر. وتخرج به غير واحد، منهم إسحاق بن أحمد بن غانم وعلي بن علي خطيب زوبا وغيرهم. وقال الحافظ ابن النجار في تاريخه: سمع من والده ومن أبي الحسن محمد بن الصائغ والقاضي أبي الفضل محمد وسعيد بن البناء وأبي الفضل محمد بن ناصر الحافظ وأبي المظفر محمد الهاشمي وغيرهم، وقرأ الكثير على أصحاب أبي الخطاب بن البطر وأبي عبد الله بن طلحة، وكان حافظاً متقناً ثقة، صدوقاً حسن المعرفة بالحديث، فقيهاً على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ورعاً، منقطعاً في منـزله عن الناس. لا يخرج إلا في الجمعات، مكرماً لطلاب العلم، سخياً، صابراً على فقره، عزيز النفس عفيفاً، روى عنه الدبيثي والحافظ ابن النجار صاحب التاريخ، والنجيب عبد اللطيف والتقي البلداني. وقال أبو بكر بن نقطة: وكان شيخنا عبد الرزاق حافظاً ثقة مأموناً تُوفِّيَ ليلة السبت السادس من شوال من سنة ثلاث وست ومائة. وقال ابن رجب في طبقاته: وكانت له معرفة بالمذهب ولكن معرفته بالحديث غطت على معرفته بالفقه. وقال القنوجي صاحب كتاب التاج المكلل: عبد الرزاق بن الشيخ عبد القادر الجيلي المحدث الحافظ ولد سنة 528هـ وتُوفِّيَ سنة 603هـ . سمع من والده ومن ابن صرما والحافظ ابن ناصر وابن البناء وأبي الوقت ومن في طبقتهم ..

قال الحافظ الضياء: لم أر ببغداد مثله في تحريه وتيقظه، أثنى عليه أبو شامة ، وذكره الإمام الذهبي فقال: حدَّث عنه الدبيثي وابن النجار والضياء المقدسي وآخرون .

الشيخ عبد العزيز: كنيته أبو بكر، ولد في 27 شوال سنة 532هـ ، تفقه على والده وسمع منه ومن ابن منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز وغيرهم، حدث ووعظ ودَرَّسَ. تخرج به غير واحد، وكان بهيَّاً متواضعاً، رحل إلى الحيال قرب عقرة بالموصل، واستوطنها في سنة 580هـ بعد أن اشترك في غزو عسقلان في فلسطين، وذريته في قرية الحيال، وفي بغداد، ونقباء الأشراف في بغداد من ذريته حتى الآن، تُوفِّيَ في 18 ربيع الأول سنة 602هـ وقيل في سنة 604هـ وهو دفين مدينة عقرة في شمال العراق وقبره ظاهر فيها يزار.

الشيخ عيسى: لم يذكر تاريخ مولده تفقه على والده وسمع منه ومن أبي الحسن ابن صرما وغيرهما، دَرَّسَ وحدث ووعظ وأفتى، وصنف مصنفات، منها كتاب (جواهر الأسرار ولطائف الأنوار) في علم الصوفية، قَدِمَ مصر وحدث بها ووعظ وتخرج به من أهلها غير واحد منهم أبو تراب ربيعة بن الحسن الحضرمي الصنعاني، ومسافر بن يعمر المصري وحامد بن أحمد الأَرتاجي ومحمد بن محمد الفقيه المحدث وغيرهم. وقال الحافظ ابن النجار في تاريخه: خرج من بغداد بعد وفاة والده ودخل الشام وسمع بدمشق من علي بن مهدي الهلالي في سنة 562هـ، وحدث عن والده، ثم دخل مصر، وأقام بها إلى حين وفاته، وكان يعظ على المنابر وله قبول من الناس، حدّث هناك عن والده، روى عنه أحمد بن ميسرة الحنبلي، قال ابن النجار: قرأت على بلاطة قبر عيسى ابن الشيخ عبد القادر الجيلي بقرافة مصر: تُوفِّيَ في الثاني عشر من رمضان سنة 573 هـ . ومن شعره رحمة الله عليه:

تحمل سلامي نحو أرض أحبتي

وقل لهم إن الغريب مشوق

فإن سألوكم كيف حالي بعدهم

فقولوا بنيران الفراق حريق

فليس له إلف يسير بقر بهم

وليس له نحو الرجوع طريق

غريب يقاسي الهم في كل بلدة

ومن لغريب في البلاء صديق

الشيخ عبد الجبار: لم يذكر تاريخ ولادته، تفقه على والده وسمع منه ومن أبي منصور والقزاز و غيرهم، سلك سبيل التصوف. وكان حسن الخط، يكتب خطاّ عجيباً، توفي شاباً في التاسع عشر من ذي الحجة سنة 575هـ ودفن برباط والده بالحلبة . وقال إبراهيم الدروبي في كتابه الباز الأشهب: إن عبد الجبار لم يدفن في الحلبة وإنما في الحضرة الكيلانية، وقبره ظاهر فيها يزار.

الشيخ موسى: ولد في ختام ربيع الأول سنة 539هـ ، تفقه على والده وسمع منه ومن ابن البناء وغيرهما، أرسله والده إلى دمشق و عمّر بها، قال الشيخ عمر بن الحاجب في معجمه: كان حنبلي المذهب شيخاً مسنداً، من بيت حديث وزهد وورع. وكان شيخاً ظريفاً، مطبوع الحركات، رق حاله واستولى عليه المرض في آخر عمره، إلى أن تُوفِّيَ في دمشق، وصلى عليه بالمدرسة المجاهدية ودفن بسفح جبل قاسيون رحمة الله عليه. وهو آخر من تُوفِّيَ من أولاد سيدنا الشيخ عبد القادر. وكانت وفاته بمحله العقيبة بدمشق في أوائل جمادى الآخرة سنة 618هـ .

الشيخ محمد: تفقه على والده وسمع منه ومن ابن البناء وأبي الوقت وغيرهم، حدث في بغداد، وتُوفِّيَ فيها في ذي القعدة سنة 600هـ ودفن بمقبرة الحلبة رحمه الله تعالى، ولم يذكر له تاريخ مولد.

الشيخ إبراهيم: تفقه على والده وسمع منه ومن سعيد بن البناء وغيرهما، رحل إلى واسط وتُوفِّيَ بها سنة 592هـ رحمة الله عليه.

الشيخ يحيي: هو أصغر أولاد سيدنا الشيخ عبد القادر رحمه الله تعالى، ولد سنة 550 هـ . أي قبل وفاة والده بإحدى عشرة سنة. وكان والده في الثمانين من عمره، ويذكر أن الشيخ عبد القادر مرض مرة وخاف عليه أولاده الموت، فقال لهم: لا تخافوا لن أموت الآن فلا يزال في ظهري ذكر سيخرج إلى الدنيا اسمه يحيى، وكانت أمه جارية حبشية، وقد تفقه على والده وسمع منه ومن محمد بن عبد الباقي وغيرهما، وحدث وانتفع به الناس، ثم قَدِمَ مصر وأقام بها إلى أن تقدمت به السن، فعاد إلى بغداد ومعه ابنه عبد القادر الذي ولد في مصر. ثم توفي ببغداد في شعبان سنة 600 هـ . ونودي للصلاة عليه فحضره خلق كثير وَصُلِيَّ عليه بمدرسة والده ودفن عند أخيه الشيخ عبد الوهاب برباط والده بالحلبة.

السيدة أمَةُ الجبار فاطمة: رضي الله عنها بنت الشيخ عبد القادر رضي الله عنها فقد تزوجها ابن الشيخ عبد الرحمن الطفسونجي الأسدي، وكانت صالحة تقية ورعة.

وفاته رضي الله عنه

أما وفاة الشيخ رضي الله تعالى عنه فقد أجمع المؤرخون أنها كانت في ليلة السبت العاشر من شهر ربيع الثاني سنة 561 للهجرة، وقيل أنها في الثامن من شهر ربيع الثاني، وقيل في الحادي عشر منه.

وذلك في عهد الخليفة العباسي المستنجد بالله أبي المظفر يوسف ابن الخليفة المقتفي لأمر الله.

وقد فرغوا من تجهيزه ليلاً وصلى عليه ولده الشيخ عبد الوهاب الكيلاني في جماعة من حضر من أولاده وأصحابه.

ثم دفن في رواق مدرسته في باب الأزج ببغداد، ولكثرة الزحام لم يفتح باب المدرسة حتى علا النهار وأُهْرِع الناس للصلاة على قبره وزيارته وكان يوماً مشهوداً من أيام بغداد دار السلام.

وكان عمره رضي الله تعالى عنه يوم وفاته واحداً وتسعين سنة، قضاها كلها في سبيل الله تعالى، متعلماً وعالماً ومعلماً، وداعياً إلى الله تعالى هادياً إليه، وقد تخرج على يديه الكثير من العلماء والعارفين الذين أناروا الدنيا في المشارق والمغارب بعلومهم ومعارفهم.

ولا يزال نوره سارياً في قلوب العباد إلى هذا اليوم، بل لا يكاد يكون هناك رجلاً له أتباع ومحبين مثلما للشيخ عبد القادر قدس سره العالي، الذي تنتشر طريقته بتعاليمها وأرشاداتها في مشارق الأرض ومغاربها، رضي الله تعالى عنه وأراضاه ونفعنا ببركته، وأفاض علينا من نوره، وجعلنا ممن يسير على نهجه وخطاه، آمين، ورحم الله القائل:

إن باز الله سلطان الرجال جاء في عشق ومات في كمال

كراماته رضي الله تعالى عنهم

لقد أكرم الله الشيخ بكرامات كثيرة، وأكثرها ورد بأسانيد صحيحة متواترة، وقد شهد بذلك الكثير من العلماء والعارفين نذكر منهم:

يقول شيخ الإسلام الإمام النووي: ما علمنا فيما بلغنا من الثقات الناقلين وكرامات الأولياء أكثر مما وصل إلينا من كرامات القطب شيخ بغداد محيي الدين عبد القادر الجيلي رضي الله تعالى عنه([54]).

ويقول موفق الدين ابن قدامة: لم أسمع عن أحد يحكي عنه من الكرامات أكثر ممَّا يحكي عن الشيخ عبد القادر([55]).

ويقول محب الدين النجار في تاريخه: أحد الأئمة الأعلام صاحب الكرامات الظاهرة ([56]).

ويقول سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام: إنه لم تتواتر كرامات أحدٍ من المشايخ إلا الشيخ عبد القادر فإن كراماته نقلت بالتواتر([57]).

ويقول الذهبي في سير الأعلام: كان يتكلم على الخواطر، وظهر له صيت عظيم وقبول تام، وما كان يخرج من مدرسته إلاّ يوم الجمعة أو إلى الرباط، وتاب على يده معظم أهل بغداد، وأسلم خَلْقٌ، وكان يَصْدَعُ بالحق على المنبر، وكان له كرامات ظاهرة([58]).

ويقول ابن تيمية: كرامات الشيخ عبد القادر ثابتة بالتواتر ([59]).

ولو أردنا سرد كرامات الشيخ عبد القادر رضي الله تعالى عنه لاحتجنا كتاباً كاملاً في ذكرها ولما انتهينا، فهي أكثر من أن نذكرها، وقد امتلأت به كتب السير والتراجم التي تزينت بسيرة الشيخ قدس سره،

وقد ثبت أن الشيخ كان يطير في الهواء ويمشي على الماء، وصاحب مكاشفات باهرة وكرامات ظاهرة، بل روى بعضهم أن من كراماته إحياء الموتى كما ذكر ابن حجر الهيثمي وغيره، وسنذكر بعضها للاستئناس بها:

روى ابن حجر الهيثمي في الفتاوى الحديثية فقال: ومِن المشهور ما روي مسندَاً مِن خمس طرق عن جماعة مِن الشيوخ الأجلاء أنَّ القطب الشيخ عبدالقادر نفع الله به جاءت إليه امرأة بولدها وخرجت عنه لله وله فقبله، ثم أمره بالمجاهدة فدخلت أُمُّه عليه يوماً فوجدته نحيلاً مصفرّاً يأكل قرص شعير فدخلت على الشيخ فوجدت بين يديه إناء فيه عظم دجاجة قد أكلها، فقالت: يا سيدي تأكل لحم الدجاج ويأكل ابني خبز الشعير، فوضع يده على ذلك الطعام وقال: قومي بالله محيي العظام فقامت الدجاجة سوية([60]).

روى ابن رجب في ذيل طبقات الحفاظ: أن شهاب الدين عمر بن محمد السهروردي صاحب العوارف قال: كنت قد عزمت على أنْ أقرأ شيئاً من علم الكلام، وأنا متردد: هل أقرأ الإرشاد لإمام الحرمين، أو نهاية الإقدام للشهرستاني، أو كتاباً آخر ذكره ؟ فذهبت مع خالي أبي النجيب، وكان يصلي بجنب الشيخ عبد القادر قال: فالتفتَ الشيخ عبد القادر، وقال لي: يا عمر، ما هو مِنْ زاد القبر، ما هو مِنْ زاد القبر، فرجعت عن ذلك. قال الشيخ تقي الدين يعني: ابن تيمية ورأيتُ هذه الحكاية معلقة بخط الشيخ موفق الدين بن قدامة المقدسي رحمه الله([61]).

وروى صاحب البهجة فقال: ومن كراماته؛ أنّ الخليفة العباسي المستنجد؛ قد جاء يوماً إلى مدرسته ووضع بين يديه مالاً في عشرة أكياس؛ يحملها عشرة من الخدم؛ فقال :لا حاجة لي فيها، وأبى أنْ يقبلها؛ فألحَّ عليه، فأخذ كيساً منها في يمينه وآخر في يساره؛ فعصرهما بيده فسالا دماً، فقال مخاطباً المستنجد: يا أبا المظفر أمَا تستحي مِن الله تعالى أنْ تأخذ دماء المسلمين، وتقابلني بها؛ فغشي عليه([62]).

وروى صاحب البهجة فقال: ومن كراماته؛ أنه قد ازدادت مياه دجلة في بعض السنين حتى أشرفت بغداد على الغرق، فأتى الناسُ إلى الشيخ عبد القادر رضي الله عنه؛ يستغيثون به، فأخذ عكّازاً وأتى إلى الشط وركزه عند الماء، وقال: إلى هنا، فنقص الماء مِنْ وقته([63]).

وكرامات الشيخ كثيرة جداً ولا مجال لذكر أكثر من هذا، غير أن الكرامات ليست عبرة لمقام الولي، ولا هي دلالة على حاله، إنما مقياس الرجل هو حاله مع الله واستقامته على منهج الشريعة وهدية الخلق به.

يقول الإمام القشيري رحمه الله: واعلم أن أجلَّ الكرامات التي تكون للأولياء دوام التوفيق للطاعات، والعصمة عن المعاصي والمخالفات([64]).

ومن وجهة نظري أن أكبر كرامة للشيخ هي إحياء القلوب الميتة، وهداية الضالين والعصاة إلى الطريق المستقيم، واستقامته على الشريعة، وأن جدد الله به للأمة دينها في القرن الخامس الهجرية، وجمع القلوب وألف بينها وأخرج جيلاً عظيماً من العلماء والعارفين والمجاهدين، وها نحن الآن من ثمرة منهجه المبارك فرضي الله تعالى عنه وأرضاه ورضي عنا به، آمين.

عقيدته رضي الله عنه

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَيَّفَ الْكَيْفَ وَتَنَزَّهَ عَنِ الْكَيفِيَّةِ، وَأَيَّنَ الْأَيْنَ وَتَعَزَّزَ عَنِ الْأَيْنِيَّة، وَوُجِدَ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَتَقدَّسَ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ، وَحَضَرَ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ وَتَعَالَى عَنِ الْعِنْدِيَّةِ، فَهُوَ أَوَّلُ كُلِّ شَيْءٍ وَلَيْسَ لهُ آخِرِيَّةِ.

إِنْ قُلْتَ: أَيْنَ؟ فَقَدْ طَالَبْتَهُ بِالْأَيْنِيَّةِ، وَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ؟ فَقَدْ طَالَبْتَهُ بِالْكَيْفِيَّةِ، وَإِنْ قُلْتَ: مَتَى؟ فَقَدْ زَاحَمْتَهُ بِالْوَقْتِيَّةِ، وَإِنْ قُلْتَ: لَيْسَ! فَقَدْ عَطَّلْتَهُ عَنِ الْكَوْنِيَّةِ، وَإِنْ قُلْتَ: لَوْ! فَقَدْ قابَلْتَهُ بِالنَّقْصِيَّةِ، وَإِنْ قُلْتَ: لِمَ! فَقَدْ عَارَضْتَهُ فِي الْمَلَكُوتِيَّةِ.

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يُسْبَقُ بِقَبْلِيَّةٍ، وَلاَ يُلحَقُ بِبَعْدِيَّةٍ، وَلَا يُقَاسُ بِمِثْلِيَّةٍ، وَلَا يُقْرَنُ بِشَكْلِيَّةٍ، وَلَا يُعَابُ بِزَوجِيَّةٍ، وَلَا يُعْرَفُ بجِسْمِيَّةٍ، سُبْحَانهُ وَتَعَالَى لَوْ كانَ شَخْصَاً لَكَانَ مَعْرُوفَ الْكَمِيَّة، وَلَوْ كَانَ جِسْمَاً لَكَانَ مُتَألِّفَ الْبُنْيَةِ، بَلْ هُوَ وَاحِدٌ رَدَّاً عَلَى البَنَوِيَّةِ، صَمَدٌ رَدَّاً عَلَى الوَثَنِيَّةِ، لَا مَثِيلَ لَهُ طَعْنَاً عَلَى الْحَشَوِيَّةِ، لَا كَفَّ لَهُ رَدَّاً عَلَى مَنْ ألْحَدَ بِالْوَصْفِيَّةِ، لَا يَتَحَرَّكُ مُتَحَرِّكٌ فِي خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ فِي سِرٍّ أَوْ جَهْرٍ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ إِلَّا بِإِرادَتِهِ رَدَّاً عَلَى القَدَرِيَّةِ، لَا تُضَاهَىَ قُدْرَتُهُ وَلَا تَتَنَاهَى حِكْمَتُهُ تَكْذِيْبَاً لِلْهَذْلِيَّةِ، حُقُوقُهُ الْوَاجِبَةُ وحُجَّتُهُ الْبَالِغَةُ وَلَا حَقَّ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ إِذَا طَالَبَهُ نَقْضَاً لِقَاعِدَةِ النَظَّامِيَّةِ، عَادِلٌ لَا يَظْلِمُ فِي أَحْكَامِهِ، صَادِقٌ لَا يُخلِفُ فِي إِعْلَامِهِ، مُتَكَلِّمٌ بِكَلَامٍ قَدِيمٍ أزَليٍّ لَا خَالِقَ لِكَلامِهِ، أنْزلَ القُرآنَ فَأَعْجَزَ الفُصَحَاءَ فِي نِظَامِهِ إِرْغاماً لِحُجَجِ المُرَادِيَّةِ، يَستُرُ العُيُوبَ رَبُّنَا، وَيَغفِرُ الذُّنُوبَ لِمَنْ يَتُوبُ، فَإِنِ امْرُؤٌ إِلَى ذَنْبِهِ عَادَ فَالْمَاضِي لَا يُعادُ مَحْضَاً لِلْبَشَرِ، تَنَزَّهَ عَنِ الزَّيفِ، وَتَقَدَّسَ عَنِ الْحَيْفِ.

وَنُؤمِنُ أنَّهُ ألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِيْنَ، وَأَنَّهُ أَضَلَّ الْكَافِرِينَ رَدَّاً عَلَى الْهِشَامِيَّةِ، وَنُصَدِّقُ أنَّ فُسَّاقَ هَذِه الْأُمَّةِ خَيْرٌ منَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ رَدَّاً عَلَى الْجَعفَرِيَّةِ، وَنُقِرُّ أنَّهُ يَرَىَ نَفْسَهُ وَيَرَىَ غَيْرَهُ، وَأنَّهُ سَمِيعٌ لِكُلِّ نِدَاءٍ، بَصِيرٌ بِكُلِّ خَفَاءٍ رَدَّاً عَلَى الْكَعْبِيَّةِ، خَلَقَ خَلْقَهُ فَي أَحْسَنِ فِطْرَةٍ وَأعَادَهُمْ بِالْفَنَاءِ فِي ظُلْمَةِ الْحُفْرَةِ، وَيُعِيدُهُم كَمَا بَدَأهُم أوَّلَ مرَّةٍ رَدَّاً عَلَى الدَّهْرِيَّةِ، فَإِذا جَمَعَهُم لِيَوْمِ حِسَابِهِ يَتَجَلَّى لِأَحْبَابِهِ فيُشاهِدُونَه بِالْبَصَر، يُرَى كَالْقَمَر، لَا يُحْجَبُ إِلَّا عَمَّنْ أَنْكَرَ الرُّؤْيَةَ مَنِ الْمُعْتَزِلَةِ، كَيْفَ يُحْجَبُ عَنْ أَحْبَابِهِ أَوْ يُوقِفهُم دُونَ حِجَابِهِ؛ وَقَدْ تقَدَّمتْ مَوَاعِيدُهُ الْقَدِيمَةُ الْأَزَلِيَّةُ: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً.

أَتُرى تَرضَى مِنَ الْجِنَانِ بِحُورِيَّةٍ، أَمْ تَقْنَعُ مِنَ الْبُسْتَانِ بِالْحُلَلِ السُّنْدُسِيَّةِ؟ كَيْفَ يَفْرَحُ الْمَجْنُونُ بِدُونِ لَيْلَى الْعَامِرِيَّةِ، كَيفَ يَرْتَاُحُ الْمُحِبُّونَ بِغَيرِ النَّفَحَاتِ الْعَنْبَريَّةِ؛ أَجْسَادٌ أُذِيْبَتْ فِي تَحْقِيقِ الْعُبُودِيَّةِ، كَيْفَ لَا تَتَنَعَّمُ بِالْمَقَاعِدِ الْعِنْدِيَّةِ؛ أَبْصَارٌ سَهِرَتْ فِي اللَّيَالِي الدَّيْجُورِيَّةِ، كَيْفَ لَا تَتَلذَّذُ بِالْمَشَاهِدِ الْأُنْسِيَّةِ؛ وَألْبَابٌ عُذِّبَتْ بِالْلُّبَانَاتِ الْحُبِّيَّةِ، كَيْفَ لَا تَشْرَبُ مِنَ الْمُدَامَةِ الرَّبِّيَّةِ؛ وَأَرْوَاحٌ حُبِسَتْ فِي الْأَشْبَاحِ الْحِسِّيَّةِ، كَيْفَ لَا تَسْرُحُ فِي الرِّيَاضِ الْقُدُسِيَّةِ، وَتَرْتَعُ فِي مَرَاتِعِها الْعِلِّيَّةِ، وَتَشرَبُ مِنْ مَوَارِدِهَا الرَّوِيَّةِ، وَتُنْهِي مَا بِهَا مِنْ فَرْطِ شَوْقٍ وَوَجْدٍ شَرَحَ الْحَالَ عَنْ تِلْكَ الشَّكِيَّة؛ وَيَبْرُزُ حَاكِمُ العُشَّاقِ جَهْرَاً وَيُفَصِّلُ عَنْ تِلكَ القَضِيَّةِ، إِذَا خُوطِبَتْ عِنْدَ التَّلَاقِ لِمَوْلَاهَا ابتَدَأَهَا بِالتَّحِيَّةِ، فَيَأمُرُهَا إِلَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فَتَأبَى أَنْفُسَاً مِنْهَا أَبيَّةً، وَتُقْسِمُ فِيهِ أنْ لَا نَظَرَتْ سِوَاهُ وَلَا عَقَدَتْ لِسِوَاهُ نِيَّةً، وَلَا رَضِيَتْ مِنَ الْأَكْوَانِ شَيْئَاً، وَلَا كَانَتْ مَطَالِبُهَا دَنِيَّةً، فَمَا هَجَرَتْ لَذِيذَ الْعَيْشِ إِلَّا لِتَحْظَى مِنْهُ بِالصِّلَةِ السَّنِيَّةِ، ويُسْقِيهَا مُدِيرُ الرَّاحِ كَأْسَاً صَفَاةً مِنْ صَفَوَاتِهِ هَنِيَّةً، إِذَا دِيرَتْ عَلَى النُّدَمَاءِ جَهْرَاً حَفَّتْ بِالبَوَاكِرِ وَالْعَشِيَّةِ، تَزِيدُهمُ ارْتِيَاحَاً وَاشْتِياقاً إِلَى أَنْوَارِ طَلْعَتِهِ الْبَهِيَّةِ؛ وَحَقِّكَ إنَّ عَيْنَاً لَنْ تُرِيهَا جَمَالَكَ فَإِنَّهَا عَيْنٌ شَقِيَّةٌ، قَتَلْتَ بِحُسْنِكَ الْعُشَّاقَ جَمْعَاً بِحَقِّ هَوَاكَ رِفْقَاً بِالرَّعِيَّةِ؛ قُلُوبٌ تَذُوبُ إِلَيْكَ شَوْقَاً وَلَمْ يُبْقِ الْهَوَى مِنْهَا بَقِيَّةً، فَأَنِ اِقْضِ؛ وَمَا قَضَيْتَ قَصْدِي؛ فَإِنِّي مِنْ هَوَاكَ عَلَى وَصِيَّةٍ، وَلَسْتُ بِآيِسٍ عِنْدَ التَّلَاقِي يَا إِلَهِي بِأَنْ تَمْحُو عَوَاطِفُكَ الْخَطِيَّةَ؛ فكَيْفَ يَكُونُ الرَّدُ يَا إِخْوَانِي ؟؟

وَفِي الْأَسْحَارِ أَوْقاتٌ رَبَّانِيَّةٌ، وَإِشَارَاتٌ سَمَاوِيَّةٌ، وَنَفحَاتٌ مَلَكِيَّةِ، وَالدَّليلُ عَلَى صِدْقِ هَذِهِ القَضِيَّةِ غِنَاءُ الْأَطْيَارِ فِي الْأَشْجَارِ بِالْأَلْحَانِ الدَّاوُودِيَّةِ، وَتَصْفِيقُ الْأنْهارِ الْمُنْكَسِرَة فِي الرِّيَاضِ الرَّوْضِيَّة، وَرَقْصُ الْأَغْصَانِ بِالْحُلَلِ السُّنْدُسِيَّةِ مِنَ الْجَنَّةِ، إذْ كُلُّ ذَلِكَ إذْعَاناً وَاعْتِرَافَاً لَهُ بِالوَحْدَانِيَّةِ.

أَلاَ يَا أهْلَ الْمَحَبَّةِ: إِنَّ الْحَقَّ يَتَجَلَّى فِي وَقْتِ السَّحَرِ وَيُنَادِي: هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبُ عَلَيْهِ تَوْبَةً مَرْضِيَّةٍ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغفِرٍ فَأَغْفِر لهُ الْخَطَايَا بِالكُلِّيَةِ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَعْطٍ فَأُجْزِلُ لَهُ النِّعَمَ وَالْعَطِيَّة، ألَا وَإِنَّ الْأَرْوَاحَ إِذَا صَفَتْ كَانَتْ بَبَهجَتِهِ مُشْرِقَةً مُضِيَّةً، وَتَسَاوَتْ فِي الْأَحْوَالِ وَهَانَ عَلَيْهَا كُلُّ رَزِيَّةٍ، لَا جَرَمَ أَنَّ رَائِحَةَ دُمُوعِهِم فِي الْآفَاقِ عِطْرِيَّةً، وَبِصَبْرِهِم عَلَى بَعْضِ الْهَجْرِ اسْتَحَقُّوا الوَصْلَ مِنَ الْمَراتِبِ الْعَلِيَّةِ، وَصِحَّةُ أَحَادِيثِهِم فِي طَبقَاتِ الْمُحِبِّينَ مُسْنَدةٌ مَروِيَّةٌ، ورَاحُوا مِنْ غَيرِ سُؤَالٍ وَحَاجَاتُهُمْ مَقْضِيَّةٌ، هَدِيَّةُ الْحُبِّ قَدْ أصْبَحَتْ وَاضِحَةً جَلِيَّةً؛ فَيَالَهَا مِنْ قَوَافٍ بَهِيَّةٍ، وَعَقِيدَةٍ سَنِيَّةٍ عَلَى أُصُولِ مَذَاهِبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ.

عَصَمَني اللَّهُ تَعَالَى وَإيَّاكُمُ مِنَ الذِينَ فَرَّقُوا فمَرَقَوا كَمَا يَمرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ؛ وجَعَلَني وَإِيَّاكُمُ مِنَ الَّذِينَ لَهمْ غُرَفٌ مِنْ فَوقِهِمْ غُرَفٌ مَبنِيَّةٌ.

وَصَلَّى اللَّهُ على سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ أَشْرَفِ الْبَرِيَّةِ، وَعلى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَخَصَّهُمْ بِأَشْرَفِ التَّحِيَةِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمَاً كَثِيرَاً دَائِمَاً مُتَجَدِّدَاً مُتَرَادِفَاً فِي كُلِّ بُكْرَةٍ وَعَشِيَّةٍ، آمين. آمين.

============

1) ذكر هذا النسب السخاوي في نتيجة التحقيق والحافظ الذهبي في تاريخه الكبير وسبط ابن الجوزي في مرآة الزمان والشطنوفي في بهجته والعسقلاني في غبطته والتاذفي في قلائده، وغيرهم .

2) وعلى ذهب أكثر الباحثين والمؤرخين الذين ترجموا للشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه قديماً وحديثاً، وقد ذكر المؤرخ والباحث الدكتور جمال الدين فالح الكيلاني في كتابه جغرافيا الباز الأشهب أن ولادة الشيخ كانت في جيلان العراق وليس في جيلان فارس، وقد حقق هذه المسألة ودلل عليها في كتابه يمكن الرجوع إليه والاطلاع على تحقيق ولادة الشيخ.

3) جيلان: ولاية من القسم الشمالي الغربي من بلاد فارس، يحدها شمالاً ناحية تاليس الروسية، ومن الجنوب الغربي سلسلة جبال الرز الفاصلة بينها وبين أذربيجان وعراق العجم، ومن الجنوب الشرقي مازندران، ومن الشمال الشرقي بحر قزوين، وهي تعد من أجمل ولايات فارس.

4) يقول ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب (ج4/199): أن أخاه كان اسمه عبد الله وكان أصغر منه وكان رجلاً صالحاً عاش في جيلان وتوفي فيها وهو شاب ولكن الراجح أن أخاه كان أكبر منه.

5) انظر شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي (ج4/199).

6) قلائد الجواهر للتادفي ص 3.

7) طبقات الحنابلة ج2 ص 302.

8) بهجت الأسرار للشطنوفي ص 118.

9) المصدر السابق.

10) المنتظم في تاريخ الملوك والأمم ج18 ص 173

11) الطبقات الكبرى للشعراني ص 108.

12) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان» (21/ 91).

13) ذيل طبقات الحنابلة ج2 ص 201 .

14) شمس المفاخر العلية ص 7 .

15) الفتح المبين لظهير الدين القادري ص 129.

16) الطبقات الكبرى للشعراني ج1 ص 108 .

17) قلائد الجواهر ص 137 نقلا عن بستان العارفين .

18) سير أعلام النبلاء للذهبي ج20 ص 447.

19) حديث صحيح رواه أبو داوود والطبراني في الأوسط والبيهقي عن أبي هريرة .

20) سبق تخريجه.

21) الطبقات لابن رجب الحنبلي ج1 / ص291 .

22) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة .

23) هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس ص 214.

24) طبقات الحنابلة ج2 ص 63.

25) طبقات الأولياء لابن الملقن ص 10 وقلائد الجواهر ص 66 .

26) الطبقات الكبرى الشعراني 1/127.

27) الطبقات الكبرى 1/128.

28) الطبقات الكبرى الشعراني 1/129.

29) قلائد الجواهر ص 23.

30) قلائد الجواهر ص 137 نقلا عن بستان العارفين .

31) ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 134، سير أعلام النبلاء للذهبي ج 20 ص443، المرشد الأقصد ج2 ص 150.

32) مجموع الفتاوى ( 8/303).

33) مجموع الفتاوى (369/8).

34) قلائد الجواهر ص 23.

35) طبقات الأولياء لابن الملقن ص 10 وقلائد الجواهر ص 66 .

36) قلائد الجواهر ص 6-7.

37) ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 134، سير أعلام النبلاء للذهبي ج 20 ص443.

38) تكملة إكمال الإكمال في الأنساب والألقاب تحت رقم 337.

39) البداية والنهاية لابن كثير ج12 ص 252.

40) قلائد الجواهر ص 136.

41) قلائد الجواهر ص 22.

42) الطبقات الكبرى الشعراني 1/127.

43) الطبقـات الكبرى 1/128.

44) قلائد الجواهر ص 7.

45) الطبقات الكبرى الشعراني 1/129.

46) الطبقات الكبرى الشعراني 1/127.

47) الفتح المبين لظهير الدين القادري ص 129 .

48) المنهج الأحمد ج2 ص183 طبعة دار الكتب العلمية.

49) قلائد الجواهر ص 41.

50) المصدر السابق.

51) الشيخ عبد القادر الجيلاني ص 268

52) قلائد الجواهر ص 41.

53) المصدر السابق ص 42.

54) قلائد الجواهر ص 137 نقلا عن بستان العارفين .

55) ذيل طبقات الحنابلة ج 2 ص 192

56) تكملة إكمال الإكمال في الأنساب والألقاب تحت رقم 337.

57) ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 134، سير أعلام النبلاء للذهبي ج 20 ص443.

58) سير أعلام النبلاء للذهبي ج 20 ص443.

59) تكملة إكمال الإكمال في الأنساب والألقاب تحت رقم 337.

60) الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيثمي ص 215.

61) ذيل طبقات الحنابلة ج 2 ص 201.

62) بهجة الأسرار للشطنوفي ص 61.

63) بهجة الأسرار للشطنوفي ص 62.

64) الرسالة القشيرية ج 2 ص 526.