بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وبعد، نقول وبالله التوفيق:
أولاً يجب أن نعلم حقيقة هذه الإجازة التي تصدر مستنداً عليها، هل أخذها تبركاً؟ هل حصل عليها من ضمن إجازات عامة؟ أم حصل عليها بطلبه؟ أم أعطاه إياها شيخه بعد سلوكه بين يديه مدة من الزمن حتى تزكت نفسه؟ فإن كان حصل عليها تبركاً، أو بطلبه، أو من ضمن إجازة عامة، أو بدون سلوك، فكل هذا لا يجيز له التصدر للمشيخة، ولو كان لديه عشرات الإجازات من هذا النوع لإنه بالجملة فاقد لما تستجوبه المشيخة والتصدر لها، ولن يكون قادراً على التربية والتسليك ومعالجة أمراض القلوب والنفوس، والترقي بالمريد إلى المقامات القلبية والروحية وتزكية نفسه وتطهير قلبه، لإن فاقد الشيء لا يعطيه.
ولقد رأينا وقرأنا عن كثير من العلماء والمشايخ وقد حصلوا على العديد من الإجازات ومع ذلك لم يصدروا أنفسهم للمشيخة والإرشاد.
يقول الإمام الجيلاني: «يا من تمشيخ وتصدَّر وزاحم الشيوخ المخلصين في أحوالهم، ما دمت تطلب الدنيا بنفسك وهواك فأنت صبي، ذلك طبع محض، النادر من كل نادر؛ نفسٌ تعرض عن الدنيا وتتركها اختياراً لا اضطراراً، أو كون النفس تطمئن وتصير قلباً؛ نادر من كل نادر، بعيد من كل بعيد».
ويقول الإمام الغزالي: «إنَّ سالك سبيل الله قليل، والمدعي فيه كثير، ونحن نعرفك علامتين له. الأولى: أن تكون جميع أفعاله موزونة بميزان الشرع، موقوفة على توقيفاته إيراداً وإصداراً وإقداماً وإحجاماً، إذ لا يمكن سلوك هذا السبيل إلا بعد التلبس بمكارم الشريعة كلها. والثانية: لا يصل فيه إلا من واظب على جملة من النوافل، فكيف يصل إليه من أهمل الفرائض».
ويقول الشيخ نور الدين قدس سره: «ولا تصدق أحداً تصدر للمشيخة إلا من سلك زمناً طويلاً في الخلوات، وعلمت منه أنه خالف نفسه فيها بأنواع الرياضات، وإن تبعته فصار شيخك وهو ليس كذلك، فقد هلكت أنت وهو، فاجتنبه ولا تقرب منه مع العقل وعدم إيذائه، ولا تقل إني أحسن الظن به لأن من اعتقد بحجر نفعه؛ لأن ذلك إنما هو ظن البراءة من الظلم والفسق والفساد من المسلمين، وكلهم في ذلك سواء، لأن المراد إذا رأى من صار شيخ جماعة أو قال إني صرت مرشداً يظن له هذا الكلام، لأن من صدق بكل أحد فهو أحمق».
وأما إن كان قد أخذ الإجازة من شيخه الذي تربى على يديه وسلك معه مدة من الزمن، ومارس الأذكار والأوراد والمجاهدات الخاصة بأهل الطريق، حتى رأى منه شيخه الأهلية للإرشاد والتربية والتسليك، فيجوز له التصدر للمشيخة والإرشاد إن إذن له شيخه وشهد له بذلك، وتوفرت فيه صفات المشيخة والإرشاد، لإن كثيراً من السالكين قد تتوفر فيه صفات المشيخة، ولكنه فاقد لشروط التصدر للمشيخة، والله تعالى أعلم.
فضيلة الشيخ مخلف العلي القادري
- الفتح الرباني للشيخ عبد القادر الجيلاني
- يزان العمل للغزالي: باب من منازل السائرين إلى الله.
- انظر البدور الجلية ص 123.