اعلم أخي السالك وفقني الله تعالى وإياك: أن العلماء اختلفوا في سبب تسمية علم التصوف بهذا الاسم إلى أقوال كثيرة، والذين تحدثوا عن التصوف والصوفية اختلفوا في أصل هذه الكلمة واشتقاقها. كما أنهم اختلفوا في نسبة الصوفية اختلافاً كبيراً، فالمؤيدون والمعارضون للتصوف لم يتفقوا على نسبة واحدة للتصوف، كما أن أهل التصوف أنفسهم لم يتفقوا على شيء من ذلك ولكن سنذكر أشهر الأقوال في ذلك:
أولاً: من الصفاء وهو أصح الأقوال وأرجحها:
يقول الإمام الجنيد البغدادي: «التصوف تصفية القلب عن موافقة البرية، ومفارقة الأخلاق الطبيعية، وإخماد الصفات البشرية، ومجانبة الدواعي النفسانية، ومنازلة الصفات الروحانية، والتعلق بالعلوم الحقيقية، واستعمال من هو أولى على الأبدية، والنصح لجميع الأمة، والوفاء لله على الحقيقة، واتباع الرسول في الشريعة» ([1]).
وقال رحمه الله تعالى: «التصوف أن يختصك الله بالصفاء فمن صفا من كل ما سوى الله فهو الصوفي» ([2]).
ويقول سهل بن عبد الله التستري: «الصوفي من صفا من الكدر، وامتلأ من الفكر، وانقطع إلى الله من البشر، واستوى عنده الذهب والمدر»([3]).
ويقول الشيخ عبد القادر الجيلاني: «الصوفي من كان صافياً من آفات النفس، خالياً من مذموماتها، سالكاً لحميد مذاهبه، ملازماً للحقائق، غير ساكن بقلبه إلى أحدٍ من الخلائق» ([4]).
ويقول الإمام أحمد الرفاعي: «الصوفي من صفى سره من كدورات الأكوان، وما رأى لنفسه على غيره مزية» ([5]).
ويقول الإمام السهروردي في عوارف المعارف: «الصوفي هو الذي يكون دائم التصفية لا يزال يصفي الأوقات عن شوب الأكدار بتصفية القلب عن شوب النفس ويعينه على هذه التصفية دوام افتقاره إلى مولاه فبدوام الافتقار ينقى من الكدر، وكلما تحركت النفس وظهرت بصفة من صفاتها أدركها ببصيرته النافذة وفر بها إلى ربه»([6]).
ويقول الكلاباذي في كتابه التعرف لمذهب أهل التصوف: «إلى أن أصل الصوفية ينتسبون إلى الصفاء وأنهم سموا صوفية لصفاء أسرارهم وشرح صدورهم وضياء قلوبهم» .
ويقول أيضاً في نفس الكتاب: «قَالَت طَائِفَة: إِنَّمَا سميت الصُّوفِيَّة صوفية لصفاء أسرارها ونقاء آثارها، وَقَالَ بشر بن الْحَارِث: الصُّوفِيُّ من صفا قلبه لله، وَقَالَ بَعضهم: الصوفي من صفت لله مُعَامَلَته فصفت لَهُ من الله عز وَجل كرامته»([7]).
ثانياً: من لبس الصوف:
وذهب قوم إلى أن كلمة الصوفية نسبة إلى الصوف وذلك لأن النسبة إلى الصوف صوفي، وممن رجح هذا القول الإمام السهروردي في عوارف المعارف، وابن خلدون في مقدمته، وكذلك القشيري في رسالته، وحجتهم على صحة هذه النسبة: إن الصوف لباس الأنبياء وخاصة سيدنا محمد صلى الله عليهِ وآله وسلم وسيدنا عيسى عليه السلام، وهو لباس الصحابة رضي الله عنهم والتابعين، والصوفية المتقدمين رحمهم الله تعالى، وأن لبس الصوف هو أقرب إلى التواضع والخمول والذل.
وقال الإمام أبو بكر الكلاباذي في كتاب التعرف: «وإن جعل مأخذه من الصوف استقام اللفظ وصحت العبارة من حيث اللغة، وجمع المعاني كلها من التخلي عن الدنيا، وعزوف النفس عنها، وترك الأوطان، ولزوم الأسفار، ومنع النفوس حظوظها، وصفاء المعاملات، وصفوة الأسرار، وانشراح الصدور، وصفة السباق» ([8]).
وقال ابن عجيبة في إيقاظ الهمم في شرح الحكم: «هذا الاشتقاق أليق لغة وأظهر نسبة، لأن لباس الصوف حكم ظاهر على الظاهر، ونسبتهم إلى غيره أمر باطن، والحكم بالظاهر أوفق وأقرب».
وقال الإمام أبو علي الروذباري: «الصوفي: هو من لبس الصوف على الصفاء وأطعمه الهوى ذوق الجفاء وكانت الدنيا منه على القفا وسلك منهاج المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم» ([9]).
ثالثاً: نسبة لأهل الصفة:
وقال آخرون: إن كلمة الصوفية نسبة إلى أهل الصُّفَّةِ، وهم جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليهِ وآله وسلم كانوا ينزلون في مكان خلف الحجرات في المسجد النبوي، وعرف المكان باسمهم وكانوا متفرغين للعبادة وللمجاورة، وهم فقراء المهاجرين الذين ليس لهم مأوى، فلما كانت هذه الطائفة بصفة أهل الصفة فيما ذكرنا ولبسهم وزيهم سموا صوفية.
قال الإمام أبو بكر الكلاباذي: «وَقَالَ قوم إِنَّمَا سموا صوفية لقرب أوصافهم من أَوْصَاف أهل الصّفة الَّذين كَانُوا على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم» ([10]).
هذه أهم الأقوال وأرجحها في نسبة اسم الصوفية، وهناك أقوال أخرى غير التي ذكرناها من أهمها: قيل: أنهم سموا صوفية نسبة إلى الاتصاف بالصفات الحميدة وترك الصفات الذميمة؟ وقيل: نسبة إلى كلمة (سوفيا) اليونانية ومعناها الحكمة، وقيل من الصوفة لأنه مع الله كالصوفة المطروحة لا تدبير له، إنما التدبير لله، وقيل: إنه من الِصفة إذ جُملته الاتصاف بالمحامد وترك الصفات المذمومة، وقيل إنهم ينتسبون إلى الصفوة، باعتبارهم صفوة الله من خلقه، وقيل: أنهم منسوبون إلى الصف الأول المقدم في الصلاة، واعلم أن أرجح الأقوال هي نسبتهم إلى الصفاء وإلى لبس الصوف.
ويقول الإمام القشيري: «أن التصوف اسم عَلم على طائفة الصوفية بغض النظر عن اشتقاق الكلمة والأصل الذي أُخِذت عنه» ([11]).
المصدر: الرسالة الحذيفية في تعريف التصوف والصوفية
موقع الطريقة القادرية العلية 2025